ـ [عبدالله العلي] ــــــــ [23 - Mar-2008, مساء 10:12] ـ
فارق الشيخ العلاَّمة بكر بن عبدالله أبو زيد -رحمه الله- هذه الدنيا نهار يوم الثلاثاء الموافق 27/ 1/1429هـ، فصُلِّي عليه ودُفن بعد العشاء في مقبرة الدرعية في الرياض، وقد كانت وفاته إثر مرض لازمه بضع سنين، وقد شهد الصلاةَ عليه ودفنَه جموع من أهل العلم والفضل والصلاح.
-عاش العلاّمة بكر سنيَّ حياته مجانبًا الشهرة، مُؤْثِرًا الخمول، ولسان حاله يقول: الشهرة آفة وكلٌّ يتحرّاها، والخمول راحة وكلٌّ يتوقّاها [1] ، مع أن الشيخ العلامة بكرًا قد ولي القضاء في المدينة النبوية (1388 - 1400هـ) ، وأمَّ حينًا من الدهر في المسجد النبوي، ثم صار وكيلًا لوزارة العدل، ثم رئيسًا للمجمع الفقهي.
كان من أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء، وهيئة كبار العلماء، وكان متعففًا شجاعًا، أبيَّ النفس، كريم الخصال، زاهدًا في المناصب والأعطيات، وما أجمل ما سطّره -قدّس الله روحه- قائلًا: (( من أعظم أسباب الفوز والنصر: الزهد في المناصب والولايات، والكف عن زخرفها؛ فمسكين من يتطلع إليها ويقول: أنا لها، ومغبون -والله- من دفع ثمنها مُقدّمًا بالتنازل عن شيء من دينه، والملاينة على حساب علمه ويقينه، وكل امرئ حسيب نفسه ) ) [2] .
وقال أيضًا: (( فهل يعتبر من ابتُلوا بالتسول على مستوى رفيع، ويتنمّر على معارفه وإخوانه، والرفعاء منهم يعلمون أنه في الظاهر مطاع متبوع، وهو في الباطن عبدٌ تابع ذليل مطيع. على أن الأرض لا تخلو من المتأسِّين بالصالحين، الذين تجردوا من هذه الحظوظ ) ) [3] ، ونحسب أن أبا عبدالله من تلك الصفوة الباقية.
وقال العلامة بكر: (( وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفَّى في 17/ 12/1393هـ -رحمه الله- متقللًا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: لقد جئت من(شنقيط) ومعي كنز، قلَّ أن يوجد عند أحد، وهو (القناعة) ولو أردت المناصب لعرفت الطريق إليها .. )) [4] .
-فَتَحَ اللهُ -تعالى- على شيخنا بكر في باب التصنيف والتأليف، فعكف على تحرير الرسائل، وتحقيق القضايا، ودوَّن المؤلفات النفيسة في الفقه، والاعتقاد، ومصطلح الحديث، وسائر الفنون، ولقد أضحى تأليفه -طيّب الله ثراه- أنموذجًا يُحتذى ومنارًا يُقتدى، فلقد تميّزت مصنفاته بحسن اختيار المسائل، وعمق البحث، وبلاغة الأسلوب، وفصاحة العبارة، وسعة الاطِّلاع، وقوة البحث والمطالعة.
فإن الناظر -مثلًا- في كتابه (معجم المناهي اللفظية) لينبهر من سعة اطِّلاعه، وظهور جَلَده وعمق تحقيقه، وجمال أسلوبه؛ فقد حوى هذا المعجم الفريد خمسَمائة وألفًا من الألفاظ والمصطلحات، وقد استخرجها العلامة بكر من المطولات في التفسير والحديث والفقه والتاريخ وسائر الفنون، وطالع كمًّا هائلًا من كتب هذا العصر وأنواع الدوريات وغيرها، ثم أوْلى هذه الألفاظ حقَّها من الدراسة والتحقيق والتوثيق. ومع هذه الجهود التي ينوء بها أولو القوة من الباحثين والمحققين، إلا أنك لا ترى في هذا المعجم، ولا في سائر مؤلفاته لغة الأَثَرة، أو حديث الذات، مثل: أنا، ولي، وقلت .. ونحوها، بل التواضع وهضم النفس هو السائد على تلك المصنفات.
كما يُلحظ في مؤلفاته حرصُه التام على إظهار السنَّة، وعنايتُه الفائقة بالألفاظ الشرعية، واحتفاؤه بلسان العرب، وحزمه تجاه الألفاظ المحدَثة والمولَّدة.
-لقد غلب على كثير من علماء قلب الجزيرة العربية قلة التأليف، وندرة التصنيف؛ تواضعًا، واشتغالًا بالتدريس في حِلَق الجوامع، ونحو ذلك، لكنّ بكرًا -مع إخباته وتواضعه- قد أدرك أهمية التصنيف، وعظيم أثره، فحرَّر وعلَّق، وكتب وحقَّق، وها هي ذي مؤلفاته البديعة ملء السمع والبصر، ورحم الله ابن الجوزي إذ يقول: (( رأيتُ من الرأي القويم أنَّ نفْع التصنيف أكثر من نفْع التعليم بالمشافهة؛ لأني أشافه في عمري عددًا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقًا لا يُحْصَوْن ما خُلقوا بعدُ، فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وُفِّق للتصنيف المفيد؛ فإنه ليس كل من صنَّف صنّف، وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنما هي أسرار يُطْلِع الله -عز وجل- عليها من شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فُرِّق، أو يرتِّب ما شُتِّت، أو يشرح
(يُتْبَعُ)