فهرس الكتاب

الصفحة 11114 من 20085

اللحية، رؤى شرعية أم عقَد نفسية؟

ـ [ابن مفلح] ــــــــ [05 - Feb-2009, مساء 05:17] ـ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فقد أُخبِرت عن موضوع كتبه بعضهم ينسب فيه إلى أصحابنا الحنابلة عدم تحريم حلق اللحية، وحاصل زعمه أنه شيء اخترعه الشيخ تقي الدين ابن تيمية لا يعرف لدى أصحابنا قبله، ودعم عرجه بالخلط بين قولهم باستحباب الإعفاء وقولهم بحرمة حلقها، مع كون كلامهم ظاهرًا في الفرق بينهما وعدم توارد الحكمين على معنى واحد. وهو أمر ظاهر لكل من رزقه الله الفهم وحسن القصد. لكن الأمر كما قال الشافعي الإمام رحمه الله في الرسالة ص41:

"وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله".

ومعلوم أن الحلق عند الفقهاء غير الأخذ من الشعر وقصه وغير إحفائه، كما في الحلق والتقصير في النسك ومسألة حف الشارب ونحو ذلك من المسائل.

قال في كشاف القناع شارحًا معنى الإعفاء ومبينًا تحريم الحلق:

(وإعفاء اللِّحية) بأن لا يأخذ منها شيئًا، قال في المذهب ما لم يُسْتَهْجَنْ طُولُهَا (وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. اهـ

وقد أطبق الحنابلة على ذكر تحريم حلق اللحية قولًا واحدًا لا يختلفون فيه، ونسبة بعضِهم ذلك إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ليس معناه أنه أول من اخترع القول به.

ومعلوم أن شيخ الإسلام رحمه الله من أئمة المذهب وممن يعتمد عليه في معرفته، فلا إشكال إذن في ذكر حكم وإتباعه بأنه قوله، وليس يدل ذلك عند من له أدنى إلمام بطرق أصحابنا على أنه قول شخصي لشيخ الإسلام و اختيار له وأنه ليس معتمدَ المذهب.

والشيخ تقي الدين ابن تيمية 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - ممن سلم له الاجتهاد وأن له اختيارات تخالف معتمد المذهب في عشرات المسائل، فإذا وقع له اختيار مخالف للمعتمد وأراد أصحابنا بيانه ذكروا المذهب أوّلًا ثم حلَّوا المسألة بذكر اختياره 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ -، كما يفعله صاحب الفروع و صاحب الإنصاف في عشرات المسائل، ولذلك نظائر عند الحجاوي في الإقناع وعند البهوتي في شرحه وفي شرح المنتهى في آخرين.

وأما إذا ذكر أصحابنا كلام الشيخ تقي الدين في مسألة بلا ذكر لقول ثان فيها فهو المذهب بلا ريب.

وسأنقل أمثلة على ذلك غير قاصد للاستيعاب لأن ذلك لا ينحصر، وإنما أذكرها لأقطع شغب من لا يحسن فهم كلامهم أو يفهمه ولكن ساء قصده، عياذًا بالله.

قال المرداوي في الإنصاف عند الكلام على الختان:

فوائد:

منها: محل وجوبه عند البلوغ.

قال الشيخ تقي الدين: يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة. اهـ.

فهذا المذهب ولا ينازع في ذلك أحد، وتأمل كيف ذكر الحكم مسلَّمًا ثم ذكر كلام الشيخ تقي الدين الذي ينص عليه؟!

وله نظائر كثيرة في كلامه وفي كلام صاحب الفروع.

وأما إذا أراد أن يبين أن اختيار الشيخ تقي الدين مخالف لمعتمد المذهب فإنه يبين حكم المسألة على المعتمد ومن اختاره من الأصحاب ثم يذكر اختيار الشيخ تقي الدين رضي الله عنه بعد ذلك.

وأمثلة هذا في عشرات المسائل.

ومنها:

ما قاله في الإنصاف:

قوله"ومن شرطه أن يلبس الجميع بعد كمال الطهارة، إلا الجبيرة على إحدى الروايتين"إن كان الممسوح عليه غير جبيرة، فالصحيح من المذهب: أنه يشترط لجواز المسح عليه كمال الطهارة قبل لبسه.

وعليه الأصحاب.

وعنه لا يشترط كمالها، اختاره الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق. اهـ

وقد سلك مسلكه كثير ممن أتى بعده ومنهم الحجاوي في الإقناع والبهوتي في شرحه وفي شرح المنتهى، سواء في أصل مسألة، أو في بيان مراد الأصحاب فيها.

قال في شرح المنتهى:

تنبيه: ظهر مما سبق أن نجاسة الماء حكمية، وصوبه في الإنصاف، وذكره الشيخ تقي الدين في شرح العمدة لأنه يطهر غيره، فنفسه أولى وأنه كالثوب النجس.

وقال في باب الآنية:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت