فهرس الكتاب

الصفحة 8857 من 20085

ـ [زين العابدين الأثري] ــــــــ [15 - Oct-2008, صباحًا 06:48] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، و الصلاة و السلام على نبينا محمد، و على آله و صحبه،و من تبعهم بإحسان، أما بعد:

فقد أخرج الإمام أحمد في"المسند"4/ 391، 402، 407، 408، 410، و مسلم في صحيحه، كتاب: التوبة، باب: سعة رحمةِ الله على المؤمنين ... ، رقم 2767: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم:"إذا كان يوم القيامة دَفَعَ الله - عز و جل- إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار". و في لفظ:"لا يموت رجلٌ مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا". و في لفظ آخرَ:"يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، و يضعها على اليهود و النصارى".

و الفكاكُ - بالفتح و الكسر، و الفتح أفصح و أشهر - هو الخلاص و الفداء.

و أخرج أحمد في"المسند"4/ 408: عن أبي موسى - رضي الله عنه: أنَّ النبي -صلى الله عليه و سلم - قال:"إنَّ هذه الأمة مرحومة: جَعَل الله عذابها بينها، فإذا كان يوم القيامة دُفع إلى كل امرئ منهم رجلٌ من أهل الأديان، فيقال: هذا يكون فداءك من النار".

و أخرج ابن ماجه في سننه، كتاب: الزهد، باب: صفة أمة محمد - صلى الله عليه و سلم -، رقم 4292: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - نحوه.

أما كون اليهودي أو النصراني فداءً للمسلم من النار: فقال القاضي عياض في:"إكمال المعلم بفوائد مسلم"8/ 271:"... معنى ذلك: أنَّ من استوجب النار لذنوبه من المؤمنين تفضل الله عليه برحمته، و غفر له ذنوبه، و عافاه من النار، و أنَّ من لم يكن أهلًا للعقوبة فهو معافى منها ابتداءً لفضل الله؛ فإنما يصلاها الأشقى - الذي كذَّب و تولى -، فهم أهلها، و عوَضُ هؤلاء الذين هم في النعيم."

فتسميتهم فكاكًا لذلك". ا. هـ."

و ليس فيما ذَكر - رحمه الله - إيضاحٌ لكون الكافر فداءً للمسلم - كما قال الأبي في:"إكمال إكمال المعلم"7/ 169 - .

و الأقرب تفسير ذلك بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه و سلم - قال:"ما منكم من رجل إلا له منزلان: منزل في الجنة، و منزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله"، قال:"فذلك قوله:"أولئك هم الوارثون" [المؤمنون: 10] أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب الزهد، باب: صفة الجنة، رقم 4397، و صحح إسناده الحافظ ابن حجر في:"فتح الباري"11/ 442، و الألباني في"سلسلة الأحاديث الصحيحة"، رقم 2278، و حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم:"لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار - لو أساء -؛ ليزدد شكرًا، و لا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة - لو أحسن -؛ ليكون عليه حسرة " أخرجه أحمد في"المسند"2/ 514، و البخاري في صحيحه، كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة و النار، رقم 6341."

و بيان ذلك أن يقال:"إن الله - تعالى - جعل للجنة أهلًا، و للنار أهلًا، و كل إنسان معرض لدخول الجنة، و لدخول النار، فإذا دخل المؤمن الجنة خلفه الكافر في النار؛ لاستحقاقه ذلك بكفره، فصار في معنى الفكاك للمؤمن".

كذا قرره البيهقي في:"شعب الإيمان"2/ 269 - 274، و النووي في:"شرح مسلم"17/ 85، و الأبي في:"إكمال إكمال المعلم"7/ 169، و السنوسي في:"مكمل إكمال الإكمال"7/ 168، و القرطبي في:"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"7/ 201، و"التذكرة"ص 151، و المناوي في:"فيض القدير"1/ 428.

و قد علل البخاري هذا الحديث في:"التاريخ الكبير"1/ 35، و قال:"... الخبر عن النبي - صلى الله عليه و سلم - في الشفاعة، و أنَّ قومًا يعذبون ثم يخرجون من النار: أكثر و أبْيَنُ"ا. هـ.

قال البيهقي في:"شعب الإيمان"2/ 273:"... و حديث أبي بردة ابن أبي موسى عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه و سلم - قد صح عند مسلم بن الحجاج و غيره، - رحمهم الله -، ... و وجهه ما ذكرناه، و ذلك لا ينافي حديث الشفاعة؛ فإنَّ حديث الفداء - و إن ورد مورد العموم في كل مؤمن: فيحتمل أنْ يكون المراد به كل مؤمن قد صارت ذنوبه مكفَّرةً بما أصابه من البلايا في حياته ... ، و حديث الشفاعة يكون فيمن لم تصِرْ ذنوبه مكفَّرةً في حياته، و يحتمل أنْ يكون هذا القول لهم في حديث الفداء بعد الشفاعة، و الله أعلم". ا. هـ.

و انظر:"فتح الباري"11/ 405.

و أما قوله - صلى الله عليه و سلم:"و يضعها على اليهود و النصارى": فقال القرطبي في:"المفهم"7/ 201:"... أي: أنه يضاعف عليهم عذاب ذنوبهم حتى يكون عذابهم بقدر جرمهم و جُرْم مذنبي المسلمين - لو أخذوا بذلك -؛ و له - تعالى - أنْ يضاعف لمن يشاء العذاب، و يخففه عن مَنْ يشاء؛ بحكم إرادته العذاب و مشيئته؛ إذ لا يسأل عما يفعل و هم يسألون"ا. هـ، و هذا لا يصح؛ إذ هو مبنيٌّ على نفي الحِكَم و الأسباب و العلل.

و الأظهر ما قاله النووي في:"شرح مسلم"17/ 85:"... معناه: أن الله - تعالى - يغفر تلك الذنوب للمسلمين، و يسقطها عنهم، و يضع على اليهود و النصارى مثلها بكفرهم و ذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين، و لابد من هذا التأويل؛ لقوله تعالى:"و لا تزر وازرة وزر أخرى" [الإسراء:15] ."

و قوله:"و يضعها"مجاز، و المراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم - كما ذكرناه -، لكن لما أسقط - سبحانه و تعالى - عن المسلمين سيئاتهم، و أبقى على الكفار سيئاتهم صاروا في معنى من حمِّل إثم الفريقين؛ لكونهم حملوا الإثم الباقي - و هو إثمهم -"ا. هـ."

و الله ولي التوفيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت