ـ [د محمد السعيدي] ــــــــ [04 - Sep-2009, صباحًا 06:55] ـ
كانت الندوة الحوارية التي أجرتها قناة دليل ابتداء من الخامس من رمضان لهذا العام 1430 هـ لقاء مثريا بالنسبة لي وقد كنت مشاركا في الندوة تلك للتعبير عن وجهة القائلين بجواز تدوين الأحكام الشرعية والإلزام بها.
إلا أن مصطلح التقنين الوارد في عنوان تلك الندوات والذي تداوله المشاركون وعدد من المداخلين على أنه مرادف للتدوين كان محل اعتراض عندي عبرت عنه منذ بداية اللقاء الأول , لكن كثرة عناصر الحوار وشعور المشاركين ومقدم البرنامج بأن هذه مسألة مصطلحية لا يرون الوقوف عندها على حساب ما هو أهم منها في نظرهم من محاور اللقاء , أقول إن هذا الشعور لم يمكني من التعبير عن هذه الجزئية التي أرى أنها من الأهمية بحيث تستحق دراستها في ندوات مستقلة بل أرى أنها محل التقديم على سائر محاور موضوع تدوين القضاء والإلزام به.
فالتقنين والتدوين مصطلحان ظن الكثير من الباحثين في تقنين الفقه أنهما مترادفان وبنوا على هذا الظن تخطئة من توقفوا أو منعوا التقنين بسبب هذا المصطلح محتجين بأن كلمة قانون قد استخدمها العلماء المسلمون في كثير من كتاباتهم وأسماء كتبهم فتنقطع بذلك دعوى المنع بحجة التشبه بالغرب.
والقول بأن كلمة القانون قد استخدمها العلماء الأولون أمر صحيح , لكن المنع من استخدامها كمرادف للتدوين في عصرنا الحاضر ليس مرده في كل الأحوال الخوف من مشابهة الغرب وحسب.
بل مرده أن التقنين في هذا العصر أصبح علَما على طريقة في صياغة الأنظمة تختلف اختلافا كبيرا عن أسلوب تدوين الأحكام الفقهية وحين نطلق مصطلح التقنين على تدوين الأحكام الفقهية فكأننا نعني بذلك صياغة الفقه بالطريقة نفسها التي تصاغ بها مواد القانون, وهذا فيه إشكال كبير من جهة الفرق الشاسع بين صياغة القانون وصياغة الفقه.
فالفقه الذي نطالب بتدوين أحكامه القضائية يتكون من مسائل واقعية وافتراضية كل مسألة مستقلة عن أختها من حيث دليلها الذي تستند إليه من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والعرف أو غيرها من مصادر الاستدلال المعروفة عند علماء أصول الفقه , كما أن هذه المسائل في غالبها تأخذ الصورة الوصفية لفعل العبد مما يتسبب في كثرتها وعدم تناهيها , كما أن علاقة هذه المسائل بالقاعدة الفقهية أنها تأتي بعدها بمعنى أن المسائل الفقهية تسبق في الوجود القاعدة التي تجمعها , ومعظم القواعد الفقهية الصغرى ليس لها دليل مستقل بل قيمتها في الوجود مستندة إلى المسائل التي تدخل تحتها ولذلك فالقواعد الفقيهة ليست كلية بل أغلبية يستعين الفقيه بها على حفظ أفراد المسائل لكنه لا يحكم بموجبها على ما يجد لديه من مشكلات إلا على سبيل القياس على مسألة أخرى من المسائل التي استقر دخولها تحت تلك القاعدة.
هذا المسلك في صياغة الفقه الإسلامي يجعله عظيم الإحاطة بمطالب الناس دقيقا في التعبير عنها كما أنه يجعل الفقه بجميع جزئياته مرتبطا بأصول التشريع.
أضرب مثالا قريبا للإيضاح فقط بهذه المسائل الفقهية:
مسألة:إذا أشرف الإنسان على الهلاك بسبب الجوع ولم يجد طعاما إلا ميتة جاز له الأكل منها بقدر ما يدفع عنه الهلاك , دليله قوله تعالى (فمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
مسألة: إذا أشرف على الهلاك عطشا ولم يجد ما يدفع عنه الهلاك إلا خمرا جاز له الشرب منه بقدر ما يدفع عنه الهلكة والدليل القياس على أكل الميتة عند الضرورة.
تجد أن هاتين المسألتين مرتبطتين مباشرة بالدليل الشرعي أخذ الفقهاء منهما ومن مسائل أخر قاعدة الضرورات تبيح المحضورات , لكن هذه القاعدة كغالب القواعد الشرعية ليست كلية , لذلك نجد المسألة التالية تخرج منها:
مسألة: إذا أشرف على الهلاك لمرضه ولم يكن له علاج إلا في الخمر لم يجز له تناوله لقوله صلى الله عله وسلم (إن الله لم يجعل شفاء أمتي بما حرم عليها)
ويلاحظ القارئ تشابه المسألتين تشابها كبيرا لكن منع من دخول الأخيرة معهما في القاعدة المذكورة ما قدمته من ارتباط مسائل الفقه بالدليل مباشرة.
(يُتْبَعُ)