فهرس الكتاب

الصفحة 10257 من 20085

ـ [القضاعي] ــــــــ [18 - Dec-2008, مساء 01:18] ـ

قال الإمام ابن بطة العكبري مبينًا صفة العالم في كتابه إبطال الحيل:

غير أني أقدم امام القول, وأبدأ قبل الجواب عن مسئلتك, بذكر صفة الفقيه الذي يجوز تقليده والفزع إليه عند المشكلات, والانقياد إلى طاعته عند نزول المعضلات وحلول الشبهات ثم أتبع ذلك بالجواب عما سألت عنه فإني أرى هذا الإسم قد كثر المتسمون به من عامة الناس وكافتهم وما ذاك إلا لأن البصائر قد عشيت والأفهام قد صدئت وابهمت عن معنى الفقه ما هو والفقيه من هو فهم يعولون على الإسم دون المعنى وعلى المنظر دون الجوهر.

ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجه حين وصف المتجاسر على الفتوى بغير علم سماه أشباه الناس عالما ولم يفن في العلم يوما سالما.

وقال رضي الله عنه"يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى علماؤهم شر من تحت أديم السماء من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود"حدثنيه أبو محمد عبد الله بن سليمان الفاسي حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي حدثنا يزيد بن هارون قال: أنبأنا عبد الله بن مكين حدثنا جعفر بن محمد عن جده عن علي رضي الله عنه أنه قال ذلك.

وسأنعت لك معنى الفقه والفقيه من العربية والشريعة الإسلامية نعتا جامعا من الشهادة المقنعة والدلالة الشافية مختصرا ذلك ومقتصرا على بعض الرواية دون النهاية وملخصه من الرواية بما فيه الكفاية تلخيصا يأتي على ما وراءه [ويغني] عما سواه.

فأما الفقيه في اللسان الفصيح فمعناه الفهم تقول فلان لا يفقه قولي أي لا يفهم قال الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي لا تفهمون وقوله عز وجل: {ِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} أي ليتفهموه فيكونوا علماء به ومن ذلك قولهم فلان لا يفقه ولا ينقه معناه لا يفهم ولا يعلم.

ونجد الله عز وجل ندبنا إلى توحيده, والمعرفة بعظيم قدرته, بما دلنا عليه من بديع صنعته, وعجيب حكمته وما أسبغ علينا من نعمته ثم أخبرنا أنه إنما أظهر هذه المعجزات وفصل هذه الآيات للفقهاء العلماء لأنهم هم الذين فهموا عنه وفقهوا معنى مراده فجاز أن يدلوا عليه بما دلهم به على نفسه وجاز أن يكونوا هم النصحاء لعباده بما نصحوا به أنفسهم فإن الله عز وجل وصف نفسه لعباده وعرفهم ربوبيته ودعاهم إلى توحيده وعبادته بما أظهر لهم من قدرته فقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} إلى آخر الآية ثم قال عز وجل: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ثم قال عز وجل {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ثم قال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} .

فلما فقهوا عن الله عز وجل ما عظم به نفسه, وأخبر به من جلاله وهيبته, ونفاذ قدرته وعظيم سلطانه وسطوته وما وعد به من ثوابه وتوعد به من عقابه وملكه للأشياء في الضر والنفع والإعطاء والمنع والدوام والبقاء هابوا الله عز وجل وأجلوه واستحيوا الله وعبدوه وخافوا الله وراقبوه وذلك لما فقهوا عنه من عظمته وجلاله وعظيم ربوبيته ولصق ما فقهوا عن الله عز وجل بقلوبهم فأزعجها وعن جميع مكاره الله باعدها وعلى ما يرضيه حركها وأذابها ومن مخالفته أوجلها وأرهبها فعند ذلك أضافهم الله عز وجل على نفسه فيما شهد لها بالالهية فقال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} ثم رفعهم على جميع خلقه فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} وقال: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت