فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [إمام الأندلس] ــــــــ [27 - Nov-2007, صباحًا 01:19] ـ
العبادة، هي عنوان الجمال في الإسلام، وشعار المحبة. وإذا أحب الله الإنسان خاطبه بلفظ"عبدي"أو"عبادي".. فنسبه إليه تعالى نسبة خصوص وإضافة.
والعبودية دالة على خضوع وانقياد، في غير سخط ولا إكراه، ولكنه خضوع المحب الرَّضِيِّ. ومن هنا لم تكن الأعمال لترتقي إلى مستوى العبادة حقيقة إلا إذا أدّاها العبد برضاه .. ولو كانت هذه الأعمال من أركان الإسلام، من صلاة وصيام وزكاة وحج. وقد ذكر العلماء أن الغني إذا امتنع عن أداء الزكاة، فقَوَّمَ السلطان عليه ماله وانتزع منه مقاديرها وصرفها في وجوهها، فإن ذلك يسقط عنه حقوق المستحقين، ولا يكلف بإعادة إخراجها بعد، ولكنه لا يسقط عنه حق الله؛ لأن حق الله في العمل إنما هو الشعور بالتعبد. وهو معنى الرضى والمحبة الذي يُخالط قلب العامل عند الدخول في عمله. ومن هنا كانت حقيقة العبادة شعورا وجدانيا قبل أن تكون أعمالا مادية، وكانت إحساسا بحب من يوجه إليه العمل وهو الله تعالى، لا"ضريبة"يؤديها المرء وهو كاره.
رغبة لا رهبة
إن العبادة"رغبة"قبل أن تكون"رهبة"، ?لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ? (البقرة:256) ؛ أما"الخوف"المذكور مع"الرجاء"في سياق التعبد فله مدلول آخر. ومن هنا كان وصف الإنسان بأنه"عبد"من أحب الأسماء والصفات الإيمانية إلى الله، ومن أحسنها في تسمية الإنسان، كما ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن أحب أسمائكم عند الله: عبد الله، وعبد الرحمن" (رواه مسلم) ؛ وذلك لأن هذين الاسمين فيهما نسبة العبد إلى اسم الجلالة"الله"، وإلى أعظم صفة لله عز وجل"الرحمن": ?قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? (الإسراء:110) . وفي ذلك ما فيه من شرف الانتساب التعبدي لله الواحد القهار.
وبهذا المعنى استُعْمِلَ مصطلح"الانتساب الإيماني"أو"التعبدي"في الفكر الإسلامي؛ للدلالة على خصوص استناد العبد إلى الله في كل أمره، وما يجده في ذلك من أذواق وجمال.
ولعل الأستاذ بديع الزمان النورسي -رحمه الله- هو أول من استعمله بهذا الوضوح الاصطلاحي، في سياق تجديد الفكر التربوي الإسلامي؛ إذْ كَشَفَ النقاب بقوة عن مشاهده الجميلة، فرسم بذلك لوحة وجدانية خالدة، كلما طالعتَ أنوارَها تَدَفَّقَتْ بالأسرار. ذلك أن المسلم عند النورسي لم يعد -باعتباره عبدا لله- مجردَ اسْمٍ عَلَمٍ ينادَى، أي:"عبد الله"أو"عبد الرحمن"، وإنما هو صاحب وظيفة مستنبطة من التفكر الخفي، والتدبر الْمَلِيِّ؛ لطبيعة العلاقة بين المضاف والمضاف إليه، في اسم"عبد الله"الذي هو اسم وظيفي -لا عَلَمِي- لكل مسلم حق. إن الإضافة النحوية لها دلالة عظيمة، على مستوى المعاني بالقصد البلاغي والإيماني معا؛ أعني من حيث إنها تفيد اختصاص المضاف إليه بالمضاف، وتفرده به، على سبيل"الامتلاك". وكذا اختصاص المضاف بالمضاف إليه، على سبيل"الاستناد"و"الانتماء".
علاقة النسبي بالمطلق
وهنا تكمن خطورة المصطلح"الانتساب"؛ لأنه تصوير لعلاقة المطلق بالنسبي وما يكتسبه هذا من ذاك. فعلاوة على دقة العلاقة بين مفهومين لا يجمعهما في المنطق إلا معنى التضاد؛ بينما هما هنا يلتقيان في المعنى الإسلامي، في التناسب الجميل المستفاد من علاقة العبادة، وما تحمله من ظلال روحية هادئة. علاوة على ذلك كله فإن المصطلح المدروس يصور بأدقّ ما يكون التصوير الرقي الإنساني، في مدارج الإيمان، حتى يكون أهلا لمقام العطف الرباني والتضييف الرحماني.
وإني لأحسب أن تجديد التدين في المجتمع الإسلامي، لو أنه سعى هذا المسعى القائم على تحقيق معنى"العبودية"، حيث كانت الإضافة فيها إلى الرحمن نقطة استناد؛ لكان له اليوم شأن آخر؛ إذ يمنح العبد معنى القوة والمنعة والحياة، كما في قوله تعالى ?إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا? (الإسراء:65) . فـ"ياء"الضمير (المضاف إليه) الدال على الذات الإلهية، يخص المضاف (عباد) بخصوص"الانتساب"الذي يكتسب منه"العبد"شرف النسبة إلى الملك العظيم رب السموات والأرض. فذلك ما عبّر عنه الأستاذ النورسي بـ"الانتساب الإيماني"، كما في قوله يخاطب المؤمن:"إنك تنتسب"
(يُتْبَعُ)