فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [ابن جريج] ــــــــ [27 - Dec-2009, مساء 11:30] ـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد:
فلا يمكن لذاكرة حية أن تنسى ذاك اليوم السبت 27 ديسمير 2008م
يوم وما أدراك ما هذا اليوم
لقد درات كأس الموت دهاقا، وعاد لقاء القرن للقرن عناقا، وبلغت القلوب الحناجر، وشافهت السيوف المناحر، وهاجت الهيجاء وعز النجاء، وصار الترامي عناقا والتلاقي اعتلاقا، وصمتت الألسنة، ونطقت الأسنة، وخطبت السيوف على منابر الرقاب، واعتنقت الصوارم والمناصل، وتلاحقت القنا والقنابل، واستعرت الملحمة، وعلت الغمغمة، فلم ير إلا رؤوس تندر، ودماء تهدر، وأعضاء تتطاير، وأجسام تتزايل.
فهذه حال حرب اشتدت نارها وحمي وطيسها ..
وبعد،،،
فلقد كثر الحديث وعم القول عن آثار الدمار البشع الذي خلفته آلة الفتك اليهودية جراء العدوان الأخير على غزة، وتصدرت عناوينه معظم الخطب المنبرية والتقارير الإخبارية والتحليلات السياسية، ولعله من غير النافع - حالا - الحديث عن هذه الزاوية التي تموجت وتهدرت وصارت مدعاة لكل لسان، وخطا لأي بنان، وهذا الحديث وإن كان له واقعه وملابساته في وسائل الإعلام المختلفة إلا أن هناك أمرًا أعظم وموضوعًا أجدر بأن تسلط عليه الأضواء وتركز عليه الدراسات والأبحاث ..
أمرًا لعله من الصعب لعدسات الكاميرات التقاط صورة عنه، لأنه ذو أثر معيشي نفسي يشعر به الإنسان في ذاته ووجدانه ولا يبوح بسره لأحد بيد أنه يعرف من طبيعة الحال وقرائن الأحوال ..
أقصد هنا الأثر النفسي والمعنوي للحرب الأخيرة على العامة والخاصة مع اقتباس دلالات شرعية من هذه الوقائع سلبية كانت أم إيجابية، وهو أمر حري بالتدبر والنظر البعيد خاصة أنه يوسع مدارك الدعاة إلى الله تعالى في مثل هذه الأحوال الطارئة ويأخذ بأنظارهم إلى عالم البصيرة والفهم، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه أن يدعو على بصيرة فقال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف108
والبصيرة نور يقذف في القلب من الرب - سبحانه وتعالى - مبعثه العلم بقَََدره المتضمن لسنن الخلق والكون، وشرعه المتضمن للأمر والنهي، وفي الآية نكتة فريدة قل من ينتبه إليها وهي أن معرفة السبيل - أي الحق وحده - لا يكفي حتى تقترن به هذه البصيرة كما هو واضح من السياق، وفي هذا إشارة للدعاة إلى الله تعالى ألا يقتصروا على المعرفة المجردة من فقه الوقائع والأحوال والظروف ..
ولست هنا أعني الدراسة البعيدة عن الوحي كالذي يهرف بِهِ مَا يُسَمُّونَهَم بِعَلَمَاءِ النفسِ الذينَ يفقهونَ أحوالَ النفسِ على قواعدَ وعقولٍ مريضةٍ تختلفُ نتائِجُهَا على حَسَبِ النَّزَعَاتِ المُختلفةِ ِلأربابها، ثم إن النافعَ من كلامهم تَجدْهُ مبسوطًا في الكتاب والسنة بأبسط عبارة وأجملها وأروعها، ولا يكفي مقام كهذا في بيان تلك العلاقة المتناغمة بين الآثار المعنوية والنفس البشرية، لكن حسبنا أن نطوف على أعلقها بالقلوب وألصقها بالعقول:
1 -الحروب محاضن (الصبر)
وليس أدل على هذه الحقيقة من أمر الله تعالى المؤمنين بالصبر والثبات عند لقاء الأعداء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} الأنفال45
لقد تفاوتت نفوس الناس في الحرب بين صبر الاختيار وصبر الاضطرار، ونعني بالأول منهما التسليم المطلق لقضاء الله مع ثبات القلب والجنان والرضا بالقدر والمقدور، وأما صبر الاضطرار فهو الرضا بالمقدور دون القدر لوقوعه لا محالة، كما قال تعالى: {وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} إبراهيم21
(يُتْبَعُ)