ـ [أبو أسامة] ــــــــ [06 - Dec-2006, صباحًا 11:01] ـ
من العوامل المؤثرة في تربية الناشئة - أيضا - البيئة، ويقصد بها: جميع العوامل الخارجية التي تؤثر في الكائن الحي من بدء نموه، أي من اللحظة التي يتم فيها الحمل، وهذه البيئة - كما يعرفها الباحثون - تشمل كل العوامل المحيطة بالإنسان: من مظاهر مادية، وأنماط حياتية، وأوساط اجتماعية وثقافية ... إلخ.
وعلى هذا؛ فإن البيئة لا تقتصر على البيئة الاجتماعية التي تشمل النظم الاجتماعية التي تحيط بالفرد من المنزل والمدرسة والمهنة والشعائر الدينية والمعتقدات والأفكار والأعراف والرأي العام واللغة والأدب والفن والعلم والأخلاق فحسب؛ بل يمتد الحديث عن البيئة ليشمل جميع ما يحيط بالطفل منذ كونه جنينا في بطن أمه.
فالطفل وهو جنين في بطن أمه يشكل رحمُ الأم بالنسبة له بيئةً يتفاعل معها هذا الجنين وتؤثر هذه البيئة في تكوينه، فإذا ولد الطفل واجه ظروفا طبيعية واجتماعية ونفسية، وهذه بيئة أخرى بالنسبة للطفل.
فيتأثر الطفل بالبيئة الجغرافية التي تتمثل في المناخ وما تشتمل عليه الأرض ظاهرها وباطنها، وموقع البلد بالنسبة للجبال والأنهار والبحار والبحيرات وما يتصل بهذه الأمور، فإن هذا يؤثر تأثيرا كبيرا في ألوان الناس وجسومهم وعقولهم وأخلاقهم وميولهم وعاداتهم؛ «فمثلا سواد البشرة في سكان المناطق الحارة لم يكن طبيعيا في أصولهم، وإنما اكتسبوه اكتسابا تحت تأثير البيئة الجغرافية، وأصبح مع تقادم الزمن صبغة وراثية تتناقلها الفروع عن الأصول، وكانت بعض القبائل البُدائية في البيرو يغيرون أشكال رءوس أولادهم بعد ولادتهم بعمليات تدليكية خاصة، ومع تقادم الزمن أصبحت هذه الصفة وراثية، وأصبح نسلهم يولد مشوه الرأس» .
وكذلك البيئة الاجتماعية العامة التي تتمثل في حضارة الأمة وتقاليدها ونظمها وعرفها العام، تكتنف الإنسان منذ نشأته، فتتجه بتربيته وجهة معينة، وتشكل ميوله وجسمه وعقله وخلقه تشكيلا خاصا يلائم طبيعته.
وهكذا يمكن القول بأن محددات النمو والشخصية الإنسانية إنما ترجع إلى تفاعل «العوامل الوراثية المختلفة مع عوامل البيئة، وتختلف صفات الفرد اختلافا بينا في مدى تأثرها بتلك العوامل المختلفة:
فالصفات التي لا تكاد تتأثر بالبيئة تسمى: الصفات الوراثية الأصلية، وأهمها: لون العين، ولون ونوع الشعر ... إلخ.
والصفات التي تعتمد في جوهرها على البيئة، ولا تكاد تتأثر بالموروثات تسمى: صفات مكتسبة، ومن أهمها: الخلق والمعايير الاجتماعية والقيم.
والصفات التي ترجع في جوهرها إلى الوراثة، وتتأثر بالبيئة تأثرا يتفاوت في مداه بين الضعف والشدة، تسمى: صفات وراثية بيئية».
وقد أكدت الدراسات النفسية أن البيئة تؤثر تأثيرا كبيرا في الفرد، وتحدث تغييرات عميقة في سلوكه؛ ومن ثم فإنك قد تجد طفلين متساويين في الإمكانيات الجسمية والخصائص الذاتية، ومع ذلك ينموان بطريقة مختلفة تماما؛ بسبب اختلاف طبيعة البيئة التي نشأ فيها كل منهما، وقد أُجريت في هذا الصدد تجربة على مجموعة كبيرة من الأطفال بلغ عددهم (1528) طفلا، جميعهم كانوا يتمتعون بنسبة ذكاء أعلى من (135) ، فإنه قد ظهر من متابعة هؤلاء الأطفال عندما وصلوا إلى منتصف أعمارهم أنهم لم يكونوا جميعا على قدر سواء في حياتهم العملية: بل انتحر منهم خمسة عشر شخصا، وأصبح منهم ثلاثة عشر فردا من مدمني الخمور، ودخل منهم ستة السجن؛ لارتكابهم الجرائم، وأصبح لدى ثمانية وعشرين منهم ميول جنسية شاذة، وطلق مائتان وواحد وسبعون منهم زوجاتهم مرة أو أكثر من مرة؛ وهو ما يشير إلى تدخل عوامل بيئية أثرت على مجرى حياة هؤلاء الناس.
ومن هذا يظهر أن «هناك مجموعة كبيرة من العوامل يمكن الرجوع إليها في تفسير نمو وارتقاء شخصية الطفل، وهذه العوامل تجمع بين العوامل الوراثية والبيئية معا» .
(يُتْبَعُ)