ـ [أبو شعيب] ــــــــ [15 - Apr-2009, صباحًا 06:30] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 28/ 126 - 131] :
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِتْمَامَهُ بِالْجِهَادِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: لِيَكُنْ أَمْرُك بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُك عَنْ الْمُنْكَرِ غَيْرَ مُنْكَرٍ. وَإِذَا كَانَ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات، فَالْوَاجِبَاتُ والمستحبات لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا رَاجِحَةً عَلَى الْمَفْسَدَةِ؛ إذْ بِهَذَا بُعِثَتْ الرُّسُلُ، وَنَزَلَتْ الْكُتُبُ، وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ؛ بَلْ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ صَلَاحٌ.
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّلَاحِ وَالْمُصْلِحِينَ، وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَذَمَّ الْمُفْسِدِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَحَيْثُ كَانَتْ مَفْسَدَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، لَمْ تَكُنْ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تُرِكَ وَاجِبٌ وَفُعِلَ مُحَرَّمٌ؛ إذْ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ هُدَاهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَالِاهْتِدَاءُ إنَّمَا يَتِمُّ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ. فَإِذَا قَامَ الْمُسْلِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، كَمَا قَامَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، لَمْ يَضُرَّهُ ضَلَالُ الضُّلَّالِ. وَذَلِكَ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ؛ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ؛ وَتَارَةً بِالْيَدِ. فَأَمَّا الْقَلْبُ فَيَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ؛ إذْ لَا ضَرَرَ فِي فِعْلِهِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَيْسَ هُوَ بِمُؤْمِنِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَذَلِكَ أَدْنَى - أَوْ - أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} وَقَالَ: {لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ} . وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ؟ فَقَالَ: الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا. وَهَذَا هُوَ الْمَفْتُونُ الْمَوْصُوفُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ.
وَهُنَا يَغْلَطُ فَرِيقَانِ مِنْ النَّاسِ: فَرِيقٌ يَتْرُكُ مَا يَجِبُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَأْوِيلًا لِهَذِهِ الْآيَةِ؛ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي خُطْبَتِهِ: (إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا؛ وَإِنِّي سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ.
وَالْفَرِيقُ الثَّانِي: مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى، إمَّا بِلِسَانِهِ، وَإِمَّا بِيَدِهِ مُطْلَقًا؛ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ وَحِلْمٍ وَصَبْرٍ وَنَظَرٍ فِيمَا يَصْلُحُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا لَا يَصْلُحُ، وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَقْدِرُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخشني: سَأَلْت عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ وَرَأَيْت أَمْرًا لَا يَدَانِ لَك بِهِ، فَعَلَيْك بِنَفْسِك، وَدَعْ عَنْك أَمْرَ الْعَوَامِّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِك أَيَّامٌ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ
(يُتْبَعُ)