ـ [أبو الحزم] ــــــــ [07 - Mar-2010, مساء 12:39] ـ
إن من الغلط البيّن هذا التوجه السائد في الثقافة العربية الذي يغذي تعظيم رموزًا قديمة لبعض الرياضيين و الفلكيين و الأطباء من العرب أو الأعاجم برزت أسمائهم في أحقاب الازدهار لأمة الإسلام و كأنهم محور التميَز الذي تمركز عليه تقدمنا بين الأمم و يبين أصالتنا أمام الحضارة الغربية في العصور الغابرة (!)
دعوني أبين لكم حقائق و مسلمات نبني عليها تصورًا لحقيقة أسباب نشوء و نهضة الأمة في عهد أسلافنا ثم أسباب تقهقرها في عصرنا و كيف نبدأ من جديد ليعود ما كان بما كان
تصوروا الحال على الأرض منذ 1450 عامًا هنالك أمتين عظميتين قويتين رهيبتين في بداية رسالة الإسلام كأمة الروم و أمة فارس إنها بلاد واسعة و رقعة شاسعة و جيوش جرارة و صناعة و تجارة و تسليح و علوم و علماء و هلم جر
و العرب - في هذه الفترة - على ما كان عندهم من مروءة و فضائل كانوا بدو قلة مستضعفون مختلفون متفرقون
ثم جاء عظيم البشر محمد بن عبد الله - و كان أميا لا يقرأ و لا يكتب- فاصطفاه الله
قال الرسول صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم"إن الله اصطفى كنانة من العرب و اصطفى قريشًا من كنانة و اصطفى بني هاشم من قريش و اصطفاني من بني هاشم"فقد اختاره الله من أرقى الأنساب و أشرفها فلم يكن في أجداد النبي إلى آدم عليه السلام سفاح قط كما ثبت في الحديث الصحيح و كان أزكى الناس و أنقاهم و أعقلهم و كرمه الله برسالة السماء و أنزل عليه الرسالة الخاتمة و ظل يدعوا لتوحيد الله و جمع حوله ثلة من أعظم رجل العالم بل البشرية جمعاء وأفضلهم بعد الأنبياء - عليهم السلام - استخلصهم من خيرة الأمم و خيرة العرب
و بعث رسائله إلى ملوك العالم كسرى و قيصر و ملك الحبشة و دعاهم للتوحيد و طلبهم ليخرجوا من عبادة العباد لعبادة رب العباد و من ضيق الدنيا لسعة الدنيا و الآخرة و كانت هذه الأمم غارقة في غياهب العبودية و الظلم و الجهل و الشرك و الاستضعاف
تصوروا رجلا من العرب من هذه الجزيرة القاحلة و من بين القبائل البدائية وهذه الصحراء الجرداء الفقيرة يرسل مراسيله إلى أبواب فارس العظيم و أسوار قيصر الرهيبة و يدعوهم إلى الإسلام و يقول لهم بكل عزة و قوة و ثبات (اسلم تسلم .... )
فهل تدرون ما حدث إنه بعد بضع و ثمانين عاما قام الصحابة العظماء و بلغوا مشارق الأرض و مغاربها و سطع شمسهم و رفعت رايتهم في أرجاء الدنيا بأسرها
فتحوا المشرق و انهارت أسوار فارس تحت سنابك خيولهم و دكت حصونهم حصنا حصنا و فتحت البلد تلو البلد حتى وصلوا لبلاد الهند و السند شرقًا
طردوا تسلط الروم من الشام و مصر و بلغوا المغرب العربي و صلوا لأوساط أفريقيا جنوبا و لعمق أوربا شمالًا ثم بعد ذلك فتحت الأندلس، يالله يالها من عزة و كرامة
إن هذا لم يكن شيئا هينا سهلا بل هو ثمرة جهاد و كفاح عظيم طويل لم تعرف البشرية له مثيل من هؤلاء الصحابة العظماء، إن في سيرتهم أعظم مثال للحضارة و الرقي
لقد قامت على أكتافهم حضارة أعظم أمة عرفها العالم و إن التاريخ و الأيام و الماضي و الحاضر يشهدون على هذه الصفحة البيضاء الناصعة لهذه الأمة القوية العزيزة التي خرجت في الناس مبلغة لأعظم رسالة حامية لحقوق الخلق
و الله - جل و علا و كتابه يشهدون
مصداق قوله تعالى"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر ..."
لقد كانوا أحق الناس للحق و أرحم الناس بالخلق نشروا العدل و الخير في كل أرجاء الدنيا
أغاثوا الملهوف و أعنوا المسكين و أخرجوا الناس من ظلمات الظلم و الاستعباد إلى نور التوحيد و عزة الإيمان
لم يقتلوا طفلا و لا شيخا و لا امرأة و لا أعزالا و مسالما، ليسوا كأمم أخرى عاثت في الأرض فسادا لما تمكنوا تنكلوا و سفكوا الدماء و قتلوا الأبرياء
إنها عقود قليلة غيرت فيها معالم التاريخ على يد أعظم رجال عرفهم تاريخ البشرية كله، إنهم الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء يقول الرسول صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"
(يُتْبَعُ)