فهرس الكتاب

الصفحة 17237 من 20085

ـ [مسلم طالب العفو] ــــــــ [25 - Apr-2010, صباحًا 10:17] ـ

لا ينبغى لطالب علم الا يقرأها

كتبه دكتور ياسر برهامى

يتعرض الإنسان في حياته لمواقف معينة تحدد قراراته فيها مصيره إلى سنوات وعقود من عمره، وربما تحدد مصيره إلى نهاية حياته، وربما كانت قراراته مؤثرة على غيره من أفراد أسرته ومجتمعه، وربما حددت قرارات القادة والعلماء والدعاة وزعماء الطوائف مصير أمتهم وطائفتهم إلى أجيال متتابعة، وربما قرون، وربما إلى يوم القيامة.

فتأمل في قول النبي -]-: (لو تابعني عشرة من اليهود ما بقي على ظهرها يهودي إلا أسلم) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، فكان قرار الثمانية أو التسعة من أحبار اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي]-، -رغم أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ورغم وجود القدوة الصالحة فيهم كعبد الله بن سلام -رضي الله عنه- الذي بادر بالإيمان أول ما ظهر له الحق-، كان قرارهم قرارًا مصيريًا حدد مصيرهم ومصير أمتهم في الدنيا والآخرة إلى يوم القيامة.

وتأمل في قرارات مجمع نيقية الأول، وما اعتمده الأحبار والرهبان فيه من عقيدة التثليث، وألوهية المسيح، والصلب والفداء، واعتماد الأناجيل المحرفة دون غيرها، كيف كان أثره هائلًا في ملايين ملايين البشر عبر التاريخ، فضلًا عن مصير هؤلاء الأحبار والرهبان والملوك أنفسهم.""

الكبر والعجب والهوى والطمع في الرياسة أو المال أو الشهرة تكون دفينة في أعماق النفوس محركة للدوافع

والنفس الإنسانية لها أغوار بعيدة العمق لا يعلمها إلا الله، وفي كثير من الأحيان تخفى أعماقها الدقيقة على صاحبها نفسه.

فإن ما أسره الإنسان في نفسه داخل في السر كما في قوله -تعالى-: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف:77) ، فكانت كلمة (فِي نَفْسِهِ) داخلة ضمن السر، والله -تعالى- (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طه:7) ، فما هو أخفى من السر يدخل فيه ما خفي على الإنسان نفسه من دوافعه وأغراضه الخفية التي تطفو على سطح النفس لحظات معدودة، ثم يدفنها الإنسان ويخفيها في تلك الأعماق البعيدة حتى لا يعود يشعر بها، وهذه اللحظات هي التي ربما يتخذ فيها القرارات المصيرية التي يتحدد عليها مستقبل حياته.

ولقد أخبر الله -سبحانه- عن سبب إضلاله للكفار، وتقليب قلوبهم على الباطل، حتى صارت تراه حقًا، وترى الحق باطلًا فقال: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام:110) ، فبين -سبحانه- أن إعراضهم عن الإيمان بالحق بما ظهر لهم كان سببًا في إضلال الله لهم، وأن الطغيان والكبر كان سببًا في العمه الذي هم فيه إلى يوم رحيلهم عن هذه الدنيا.

فالأمراض القلبية منالكبر والعجب والهوى والطمع في الرياسة أو المال أو الشهرة كانت دفينة في أعماق النفوس محركة للدوافع في حقيقة الأمر، رغم أنهم في أنفسهم يرون أنفسهم يحسنون صنعًا، ويدافعون عن الحق، ويتبعون سبيل الأسلاف الصالحين، ومنهم الأنبياء -عليهم السلام- فيا عجبًا كيف تحول المنتسبون إلى موسى وعيسى وإبراهيم -عليهم السلام- إلى الشرك والوثنية والضلال المبين رغم حبهم للأنبياء، ورغبتهم في اتباعهم، وزعمهم حب الله -تعالى- والتزام أمره؟!

كانت الأمراض الخفية والشهوات الدفينة التي دفنت في أعماق النفس، وخفيت حتى على أصحابها، والتي لم يبادروا إلى علاجها بالوحي المنزل على الأنبياء حين طفت على سطح النفس في اللحظات المعدودة، وحين ظهر لهم الحق أول مرة، كانت هي العفن المدمر الذي ظل يعمل عمله في هذه القلوب والنفوس، حتى ضيعها وأضلها وخيبها في الدنيا والآخرة، حتى انفجرت مرة واحدة بهذا الخبث المنتن، والكفر الشنيع، والانحراف الهائل عن الحق الذي جاءت به الرسل.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت