ـ [أبو عثمان السلفي] ــــــــ [30 - Jun-2007, صباحًا 11:40] ـ
بقلم فضيلة الشيخ علي بن حسن الحلبي الأَثري
تكادُ تُجمِع كلمةُ (العقلاء) -اليومَ- على ذَمِّ التطرُّف، وردِّه، ونقضهِ، وفضح مُمارساتهِ؛ لِمَا تتضمَّنُهُ أفكارُ أهلهِ مِن انحرافٍ عن الشرع الحكيم، فضلًا عمّا تُنْتِجُهُ فَعائِلُهم مِن ثَمَراتٍ وخيمةٍ على الأفراد، والمجتمعات، والجماعات -فسادًا وإفسادًا؛ تضربُها في أمنها وأمانها وإيمانها- ..
ومِن أبْيَنِ صُوَر هذا التطرُّف -بالمعنى المُعاصر الذّائع-: الفكرُ التكفيريّ المنفلتُ؛ الذي يُظْهِرُ أهلُهُ أنفسَهم بصورة حُماة الدِّين، ورُعاةِ الملّة! بينما هم عن (حقيقة) ذلك بعيدون ناشِزون ...
فنراهم -مُتواطئين! - على تكفير حُكّام المسلمين -ابتداءًا-، ثم يختلفون فيمن بعدهم -تَبَعًا-: مِن تكفير الوزراء، والنُّواب، والعسكر!! إلى أن يَصِلَ التطرُّفُ ببعضِهم أقصاه؛ وذلك بتكفير عامّة المسلمين -أجمعين-، وأنه ليس هناك مِن المسلمين إلا هُم!!!
ومنِ صُور التطرُّف القاتمةِ -أيضًا-: فعائلُ أدعياءِ الجهاد، الذين يُواقعون الإفساد باسْمِ الجهاد؛ بعيدين عن الجهاد الشرعيِّ الصحيح، بضوابطه المعتبرة؛ والّتي مِن أهمِّها: الالتزامُ بأحكام أولي الأمر -مِن العُلماء والحُكّام-؛ ولكنْ؛ كيف هم يفعلون؟! وأكثرهم -أيضًا- يكفّرون الحُكّام، ويُشَكِّكون بمرجعيّة علماء الإسلام!
فحصل مِن أُولئك الأدعياء -في أهل الإسلام أكثَر- ما الكُلُّ يعرفُهُ: مِن التقتيلِ، والتفجير، والتدمير، والفساد، والإفساد؛ فأهلكوا الحرثَ والنَّسْلَ: وباسْم الإسلام! وبتوقيع (المسلمين) !! ممّا أدّى إلى ذلك التَّسارع الأُمميِّ المجنون لإضعاف أُمّةِ الإسلامِ (أشد) ، والطعن بالإسلام بصورة (أوْقَح) -ولا أقول: أوضح-!!
ومِن صُور التطرُّف الظالمةِ -أيضًا-: ذلك التحزُّب الفكريُّ المقيت، الذي يُشَتِّتُ شملَ الأُمَّة، ويجعلُها دوائرَ مُغْلَقَةً مضغوطةً؛ ممّا يَشُلُّ حركة المجتمع المسلمِ الآمِن؛ بما يتضمّنُهُ ذاك التحزُّب الظلومُ مِن تشرذمٍ وتمحوُرٍ مبني على أفكار بعيدة عن أنوار الوحيين الشريفَين -الكتاب والسنة-؛ حتى تَؤُول ممارساتُ الأفعال والأقوال -بسبب ذلك- مرهونةً بمدى موافقةِ أفكار الحزب، أو مخالفتها؛ فضلًا عمّا يكونُ وراءَ ذلك من مواقفِ المُصادرة، والإقصاء، وتفتيت الأُمّة ...
كلُّ ذلك والفئةُ المتحزّبةُ الضيّقةُ مُتَكَعْكِعةٌ في حزبيّتها، ومُنكمشةٌ في بوتقتها!!
.. هذه (بعضٌ) من صُوَر التطرُّف -بصورته المعاصرة الذّائعة- بما يحملُهُ مِن أثرٍ شنيع، ومآل فظيع؛ يُغْرِق الأُمَّةَ -أكثرَ وأكثرَ- في وَهْدَتِها، ويزدادُ -بسببهِ- ضعفُها ووهنُها؛ فلا الأفراد يطمئنون! ولا المجتمعاتُ تَستقرُ!!
هذا كلُّهُ -كما صدَّرتُ- متفق عليه بين (العقلاء) ؛ ولكنْ:
اطَّلَعْتُ -قريبًا- على كتابٍ يبحث في «التطرُّف» ، وبيانِ «حقيقته، وبواعثه، ومظاهره، وعلاجه» !! أحْسَنَ (كاتبوه) -شيئًا ما- في كشفِ (بعضٍ) مِن صُوَر التطرُّفِ المُتقدِّمِ ذِكْرُها ونقدُها؛ وهي -بلا شك- الأخطرُ، والأشدُّ على الأفراد -حُكامًا ومحكومين-، وعلى المجتمعات -إسلاميةً وغيرَ إسلامية-.
وأمّا ما لم يُحْسِنْهُ (كاتبو) ذلك الكتاب، ولم يضبطوه على وجهه العلميِّ الحقّ الصواب؛ فهو: ذِكرُهُم -مِن صُوَر التطرُّف المذموم- بعضَ المسائل الفقهيّة الخلافية المعتبرة بين فقهاء الإسلام -قديمًا وحديثًا-؛ ممّا قد يختار القولَ بهِ -تبعًا للدليل والحُجّة - بعضٌ مِن طلبةِ العلم، أو يُرَجّحُه -بحَسَب البيِّنة والبُرهان - بعضٌ مِن الفُقهاء والعُلماء، وهذا -كلُّه- عندهم، وعند كُلِّ ذي نَظَر- لا يخرجُ بأيٍّ حالٍ من الأحوال عن مذاهب أهل السُّنة، ومقالات علمائها الأئمّة ...
وإذِ الأمر كذلك؛ فمتى كان اختيارُ رأيٍ فقهيٍّ -ما- بترجيح علميٍّ مُعْتَبَر جارٍ على قواعد العلمِ
-بِغَضِّ النَّظر عن موافقتهِ الصوابَ أم لا-: سلوكًا قبيحًا؟! فضلًا عن أن يُسمَّى -بغير وجهِ حقٍّ- تطرُّفًا مذمومًا!! لِيُلْحَقَ أصحابُهُ -بَعْدُ- ظُلمًا وعدوانًا- بِقالات التكفِيريّين، أو الحِزْبييِّن، أو المفسدين باسْم الجهاد -بغير هدى مِن ربِّ العالمين-!!
(يُتْبَعُ)