فهرس الكتاب

الصفحة 19411 من 20085

ـ [يوسف بن علي] ــــــــ [25 - Oct-2010, مساء 02:06] ـ

تعطيل السنّة و إصدار الشريعة

روّعت الأمة بنبإ تعطيل جريدة > بقرار من وزارة الداخلية و تقاطرت على الإدارة رسائل الاستياء و التعجب و لم يكن تعجب النّاس من تعطيل جريدة دينية بعيدة كل البعد عن السياسة دون استياءهم من عرقلة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن عملها الديني التهذيبي الذي ذاقت الأمة حلاوته و شاهدت جميل أثره.

أمّا نحن فقد شاركنا الأمة في الاستياء و لم نشاركها في التعجب فقد كنّا توعّدنا بأشياء , هذا التعطيل أحدها , فجاء و نحن له متوقعون. غير أنّ الذي نعجب منه نحن المباشرين لتسيير الجمعية هو التبدل العظيم و الانقلاب السريع الذي شاهدناه من بعض الإدارات نحو الجمعية.

لقد تجوّلت وفود الجمعية السنة الماضية في جميع جهات الوطن و ألقى وعّاظها خطبهم ودروسهم في المحافل العامة و كثيرا ما كان يحضرها رجال من الحكام و كانوا يلقون من شيوخ البلدان الأميار وحكام الدوائر كل تعضيد و تقدير و قابلنا بعد تمام الرحل إدارة الشؤون الوطنية بالعاصمة فلم نسمع على خطتنا أدنى إنكار و لم نتلمح أقل إشارة إلى ارتياب في الجمعية أو استثقال لأعمالها فما الذي بدل العقول و حول النّيات، و حمل بريفي العاصمة على ابتداء منازلة الجمعية بقراره المشهور و حمل تلك الإدارات على مناوءة الجمعية و مضايقة رجالها و عرقلة أعمالها حتى عطلوا جريدة السنّة لغير ما سبب إلاّ أنّها جريدة الجمعية و لسان حالها؟!. هذا محل سؤالنا و مناط تعجبنا.

وبعد فما ينقم علينا الناقمون؟ أينقمون علينا تأسيس جمعية دينية إسلامية تهذيبية تعين فرنسا على تهذيب الشعب وترقيته ورفع مستواه إلى الدرجة اللائقة بسمعة فرنسا و مدنيتها و تربيتها للشعوب و تثقيفها فإذا كان هذا ما ينقمون علينا فقد أساءوا إلى فرنسا قبل أن يسيئوا إلينا , و قد دلّوا على رجعية فيهم و جمود لا يتناسبان مع المبادئ الجمهورية و لا مع حالة هذا العصر. أفتكون في الهند جمعيات للعلماء تقوم بأعمالها بغاية الحرية و الهناء عشرات من السنين تحت السلطة الإنجليزية الغاشمة القاسية وتضيق صدوركم أنتم عن تكوّن جمعية واحدة للعلماء المسلمين بالجزائر تحت المبادئ الجمهورية العادلة المشعة بعلومها على الأمم فتناهضوها و هي ما تزال في المهد , أفظننتم أن الأمّة الجزائرية ذات التاريخ العظيم تقضي قرنا كاملا في حجر فرنسا المتمدنة ثم لا تنهض بجنب فرنسا تحت كنفها يدها في يدها فتاة لها من الجمال و الحيوية ما لكل فتاة أنجبتها أو ربّتها مثل تلك الأم أخطأتم يا هؤلاء التقدير وأسأتم الظن بالمربي و المربى و بعّدتم عن العلم بسنن الكون في نهضات الأمم بعضها ببعض عند الاختلاط أو التجاور أو الترابط بشيء من روابط الاجتماع.

انظروا شيئا إلى ما حواليكم من الأمم و تأملوا فيما تنادي به الشعوب و ما تعلنه من مطالب فإنكم إذا نظرتم و تأملتم حمدتم لهذه الجزائر الفتية نهضتها الهادئة و تمسكها المتين بفرانسا و ارتباطها القوي بمباديها و عدها نفسها جزءا منها و قصرها لطلبها منها على أن تعطى جميع حقوقها كما قامت بجميع واجباتها و أن لا يتقدمها في أيام السلم من قد لا يساويها في أيام الحرب.

لا، لا أخالكم تنظرون و لا تتأملون فإن الأثرة المستولية على النفوس حجاب كثيف يحول دون رؤية الحقائق كما هي و يحول حتى دون رؤية مصلحة فرنسا الحقيقية نفسها. و إنّي لأفهم من مناهضتكم العجيبة للجمعية هي جمعية دينية تهذيبية بعيدة عن كل سياسة ـ أنّكم لا تريدون من الجزائر إلاّ أن تبقى جامدة و أن لا تتمتع بشيء من الحق إلاّ ما لا غناء فيه و لا بقي معه ـ و لعمر الحق أنّ من يريد هذا بالجزائر اليوم لمخالف للشريعة و الطبيعة إذ من الطبيعي أن تتحرك الجزائر ضمن الجمهورية الفرنسية في زمان تحرك ما فيه حتى الحجر , ومن الشرعيّ أن تنال منها الحقوق كفاء ما قامت به من الواجبات.

آستكثرتم على الجزائر أن تكون لها جمعية لها منزلتها العظيمة في قلبها و جريدة لها قيمتها الكبيرة في نظرها؟ فنبشركم أنه سيكون للجزائر الفرنسية جمعيات و صحف و سيكون لها وسيكون. . . حتى يقف المسلم الجزائري مع أخيه من بقية أبناء فرنسا على قدم المساواة الحقة التي يكون من أول ثمراتها الاتّحاد الصحيح المنشود للجميع.

أم هالكم أن يكون في أبناء الجزائر الفرنسوية من لا يزحزحه عن مبدئه وعد و لا وعيد و لا يستهويه رنين و لا زخرفة؟ فنبشركم بأن الجزائر المفطورة على مبادئ الإسلام و المتغذية بمبادئ فرنسا أنجبت و تنجب رجالا كما رأيتم و فوق ما تظنون رجالا تفتخر بهم فرنسا كما تفتخر بسائر أبنائها الأحرار.

كونوا كما تشاءون أيّها السادة فلكم ـ و أنتم تمثلون ما تمثلون ـ كل احترامنا , و ظنوا بنا ما تشاءون فإنّا على بصيرة من أمرنا و يقين من استقامة خطتنا و نبل غايتنا. و مهما تبدلت اعتقاداتنا في أناس بتبدل معاملاتهم لنا فلن تتبدل ثقتنا بفرنسا و قانونها.

و على خطتنا المستقيمة و هي نشر العلم و الفضيلة و مقاومة الجهل و الرذيلة.

و على غايتنا النبيلة و هي تثقيف الشعب الجزائري المرتبط بفرنسا و رفع مستواه العقلي والخلقي و العملي إلى ما يليق بسمعة فرنسا.

و على ثقتنا بعدالة فرنسا و حرية الأمّة الفرنسية و ديموقراطيتها.

ـ أسّست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و أسّست جريدة > المعطلة، و أسّسنا اليوم بدلها جريدة > و ستقوم ـ إن شاء الله ـ مقامها و تحل من القلوب محلها والله المستعان و هو حسبنا و نعم الوكيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت