فهرس الكتاب

الصفحة 18171 من 20085

ـ [أبوبكر الذيب] ــــــــ [20 - Jul-2010, مساء 04:39] ـ

بقلم: منيب بن أحمد بن مقبل

من عناية الله سبحانه وتعالى بالعباد أنه لا يدع أثواب إيمانهم تبلى بل لا يزال سبحانه يجدد لهم فيها ويطهرها من أدرانها مرة بعد مرة ويمنّ بالفرصة بعد الأخرى مع تعاقب الليل والنهار وعلى مدار العمر كله وهذا المقصد يأتلف من جزئين:

-أحدهما أن هذا التجديد يشتمل على منحة ربانية محضة هي كالغنيمة الباردة وفي هذا المعنى روى الإمام مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"

-والثاني أنه تحفيز للعبد ليسارع في تغيير عوائد إلفِه فيجاهد في الانقلاب على ما كان سلف منه من قصور عن درك أهل السرور وما اثّاقلت عنه نفسه في ماضيه ليكون بعد التوبة مولودًا جديدًا ذا صفحة بيضاء , ثم هو لا يرضى بالدون بعد ذلك فيعمد إلى ما تيسّر له من مركوب ينافس به أصحاب الخيل المضمّرة في ميدان الله الذي نصبه سوقا كبيرة مفتوحة للتجارة الرابحة فلا يغلق بابه إلا حين تبلغ الروح الحلقوم أو ينفضّ بالقيامة.

فهذا حال الظالم لنفسه إذا كانت لديه أثارة من يقظة القلب حين يقدُمُ إليه رمضان فكيف بالمقتصد فضلًا عن السابق بالخيرات, وإنما بعث الله رمضان رسولًا لينبه من هذه اليقظة غافلًا! وكي لا يكون الكلام مرسلًا بلا خطام فدونك"قواعد رمضانية"مستلة من كتاب الله وسنة نبيه وسير الأماجد في هذه الأمة الخالدة:

-القاعدة الأولى: الزهد في السلع في موسم رواجها ودنو ثمنها مع الضرورة البالغة إليها حمقٌ مركب وسفاهة في العقل يتنزه عنها الهوام-كالنمل مثلا- .. يدلك على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم"رغم أنف امريء أدرك رمضان ولم يغفر له" (أخرجه الترمذي وأبوداود وأصله عند مسلم) كأنه يقول:إذا لم يغفر له في شهر مشرعة أبوابه للتوبة والإقبال مع ترتيب عظيم المنال فمتى؟!

-القاعدة الثانية: رب النهار هو رب الليل ورب رمضان هو نفسه رب بقية الشهور قال الله عز وجل"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض"وإن أهل المروءة تعف نفوسهم عن أن تبش لك في النهار وتقلب ظهر المجن في الليل بل هم على أخلاقهم قولًا واحدًا, فما أقبح سوء الأدب مع الله عز وجل (رب العالمين!) حين يمسك أحدنا عن معصيته نهارًا ويبارزه المعصية ليلًا!!

-القاعدة الثالثة: تلاوة القرآن والقيام والجود بالصدقات من أهم أركان أعمال البر في هذا الشهر المبارك فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه.

ومن فهم السلف لفقه"أولى لك فأولى"كان إمام دار الهجرة مالك بن أنس إذا دخل رمضان يفر من الحديث ومجالسه أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن وهذا درس بليغ في فقه المفاضلة بين العبادات.

وأما ماورد من ختم البخاري القرآن في كل نهار من رمضان ختمة وأن الشافعي كان يختمه في الشهر ستين ختمة وأمثال هذه الروايات فقد يُتوهم أنه مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من ختمه في أقل من ثلاث, وفي هذا يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قال ابن رجب الحنبلي: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأمة وعليه يدل عمل غيرهم. انتهى

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت