فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 20085

ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [15 - Dec-2006, صباحًا 12:38] ـ

هذه درة مضية وشذرة ذهبية انتزعتها من مقدمة الشيخ العلامة محمد محمد أبي موسى لكتابه الجديد: (( مراجعات في أصول الدرس البلاغي ) ).

والحق أنها مقالة ضافية، تحفة تستحق الإشادة والإعجاب،فلم أجد والحال هذه أعز علي من إخواني في ملتقى أهل الحديث لأتحفهم بها راجيا انتفاعهم بها.

يقول حفظه الله ورعاه في كلام شريف يستحق أن تنتبه لألفاظه وتستيقظ لمعانيه:

(( إنه من أهم ما يجب أن يكون هو أن نبذل في دراسة علومنا القدر الذى بذله كل جيل من أجيال علمائنا الذين سبقونا بإحسان مع زيادة في المجهود، وزيادة في التحرير والتدقيق وزيادة في إتقان الوسائل وتجويد العمل تتعادل هذه الزيادة مع التقدم السريع الذى تحققه الأجيال في سباقها المحموم نحو التقدم والسبق والغلبة.

وكانت أجيالنا من العلماء الذين سبقونا يبذلون كل وقتهم وكدهم وجهدهم في تقريب علم الأمة الى أجيالها وخلق السبل الميسرة للتواصل بين أهل الزمان الذى يعيش فيه العالم وبين العلم الذى شغل به، إيمانًا منهم بضرورة أن تقارب هذه العلوم عقول الأجيال وأن تساكن نفوسهم وهم يمارسون ما يمارسون من بناء وتقدم، لأن روح الأمة وماهيتها وما تمتاز به بين الناس من خصوصية إنما هو في هذه العلوم، وما تتضمن من قيم وأفكار ومعان ومبادئ وليس تقريب العلم من روح العصر بالأمر الهين و لا هو بتغيير في أسلوب العلم ولغته وإنما تقريب العلم من روح العصر وأهل الزمن عمل أبعد من ذلك، ولا يقف أبدًا عند اللغة لأنه إعمال العقل في جوهر المعرفة، وتحوير في هذا الجوهر وتعديل في البناء الفكري حتى يتلاءم جوهر العلم مع الزمن الجديد وهذا جهاد آخر لا يقل عن جهاد الذين أسسوا، واستنبطوا، ثم هو نفسه تطوير للفكر وتجديد له وتحديث له، لأن إعمال العقل لا يكون أمر معتدًا به ما لم ينفذ هذا العقل الى حقائق العلم وينفث فيها من روحه، فيستحسن ما يستحسن من أفكار، ويطيل الكلام فيه ويكشف وجها من وجوه حسنه كان مغشى في كلام من سبق، ويستهين بفكره، ويغمض الكلام فيها وكانت بارزة في كلام من سبق، وبذلك وغيره كثير يصير هذا العلم مصبوغًا بعقل هذا الباحث الذى درسه وقربه وأحضره لعصره ولهذا نري كل كتاب في العلم الواحد والذى له ثوابت واحدة يتميز بتميز مصنفه، ويحمل روح كاتبه هذه الروح التى تصر على أن تظهر من وراء الثوابت الكثيرة والضوابط المطردة.

ولا يكون تقديم العلم الى الزمن الذى نحن فيه تغييرًا في الأسلوب فحسب إلا عند الملخصين للمعرفة والذين يأخذون ظواهرها ولا تتولج قلوبهم وعقولهم في حقائقها وجوهرها. وقد قالوا إن كتاب سيبويه مع جودته وأنه لم يشذ عنه شئ في بابه حتى إن أبا الطيب اللغوي كان يسميه قرآن النحو، أقول هو مع هذا قالوا فيه إنه كتب على شريطة زمانه قال بن كيسان: (نظرنا في كتاب سيبويه فوجدناه في الموضع الذى يستحقه، ووجدنا ألفاظه تحتاج الى عبارة وإيضاح لأنه كتاب ألف في زمان كان أهله يألفون مثل هذه الألفاظ فاختصر على مذهبهم) انتهى كلام ابن كيسان. وقوله وجدنا ألفاظه تحتاج الى عبارة وإيضاح لا أفهم منها غرابة الألفاظ لأن كتاب سيبويه ليس فيه ألفاظ غريبة وإنما الألفاظ هنا المراد بها صياغة الأفكار وتركيب الأفكار وأن الإيضاح المقصود هو إعادة تركيب الأفكار على الوجه الذى يفهمه أهل الزمان وإن سر وروده في كتاب سيبويه هو أن أهل زمانه كانوا يؤلفون هذه الأبنية أعنى أبنية الأفكار ولذلك نجد أن الغموض الذى ذكره العلماء في كتاب سيبويه وسأل فيه الأكابر الأكابرَ لم يكن راجعًا الى لفظ غريب وإنما كان راجعًا الى بيان مراد سيبويه من عبارته وراجع شروحه سيبويه في الأزمنة المتتابعة تجد كل شرح كأنه صناعة جديدة لعلم سيبويه أعني وعيًا جديدًا للمادة النحوية وبناء جديدًا لها وهذا هو الذى يفسر لنا ولع أهل العلم بقراءة الكتاب حتى إن أحد نحاة الأندلس وهو عبد الله بن محمد بن عيسي كان يختم كتاب سيبويه في كل خمسة عشر يومًا وهذا قاطع في أن المراد ليس هو تحصيل المادة العلمية كما هى في الكتاب وإنما المراد التدسس في أعطاف هذه المادة لإستخراج ما خفى من علم الرجل وكان أبو جعفر النحاس يقول: (إن سيبويه جعل من كتابه

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت