فهرس الكتاب

الصفحة 8859 من 20085

ـ [نبيل عليش الجزائري] ــــــــ [15 - Oct-2008, مساء 04:18] ـ

شبهات الغلاة في التكفير (الحلقة الرابعة)

الشبهة العاشرة: دعوى الإجماع

ومن شبهات الغلاة دعوى إجماع السلف على عدم العذر بالجهل، على اختلاف مذاهبهم -إلا من قال منهم بكفر من يُحَكِّم الإجماع في دين الله تعالى، لأنه من تحكيم الرجال -، فالذين يقولون: بكفر من وقع في الكفر جهلا ويستبيحون قتله ويشهدون له بالنار يدعون الإجماع على قولهم، والذين يكفرونه ويستبيحون قتله ولا يشهدون له بالنار يحتجون بالإجماع

وكذلك الذين يكفرونه ويقولون لا قتال ولا عذاب في الآخرة حتى تقام عليه الحجة، وعمدتهم جميعا في نقل الإجماع قول ابن القيم في طريق الهجرتين (607 - 608) :"اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام"، ثم قال:"والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل".

الجواب:

أولا: أن كلام ابن القيم وارد في المشركين لا في من وقع في الشرك وأسباب الردة من المسلمين، وهو أيضا في من بلغته دعوة الإسلام منهم، بدليل قوله:"إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة"، وكلامنا هو في من لم تبلغه حقيقة الدعوة من المسلمين، إذن هذا الاتفاق خارج عن محل النزاع من وجهين: أنه في الكفار الذين بلغتهم الحجة، وكلامنا في المسلم الذي لم تبلغه الحجة.

وحكم من لم تبلغه الدعوة من الكفار عند ابن القيم أنه لا يعذب، قال ابن القيم في طريق الهجرتين (ص 611) :"وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل".

ثانيا: أكثر المستندين إلى هذا الإجماع واقعون في التناقض لأنهم ينقلون عن بعض المتأخرين إجماعين أحدهما على التكفير والآخر على حمل العذر على عذاب الآخرة، مع إثبات الامتحان، وكلام ابن القيم المنقول صريح بأنهم كفار وفي النار، وهذا لا يقول به إلا الصنف الأكثر غلوا وإن مذهبهم أقيس من غيره كما ذكرنا قبل.

ثالثا: مما يؤكد لنا أن كلام ابن القيم السابق في الكفار الذين لم يدخلوا في الإسلام أصلا، هذا الكلام الذي يفرق فيه بين أحوال أهل البدع، وينص فيه على عدم تكفير الجاهل المقلد الذي عجز عن العلم، قال ابن القيم في الطرق الحكمية (255) :"فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم فهؤلاء أقسام:"

أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى وحكمه حكم"المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا".

القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته.

القسم الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليدا وتعصبا أو بغضا أو معاداة لأصحابه فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل"."

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت