ـ [ماهر الفحل] ــــــــ [12 - Apr-2007, مساء 09:39] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فإنَّ واجب الدعوة إلى الله من أولى الواجبات، ومن أفرض الطاعات، وقد قال الله تعالى: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) )؛ فوجب على كل مسلم أن يقوم بهذا الواجب الديني اتجاه المجتمع وقد قال تعالى: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ).
وأتمنى من إخواني وأخواتي في صناعة الحديث أن يدربوا أنفسهم على إصلاح الوعظ الديني؛ ليمارسوا الدعوة إلى الله فيما يسعهم من وقت.
وقد رأيت أن أضع هنا دروسًا متسلسلة مستمرة إن شاء الله، لينتفع بها من ينتفع بها؛ ولتكون محفزًا لنا في الدعوة، وتطبيق عملي لتقوية الدعاة
ـ [ماهر الفحل] ــــــــ [12 - Apr-2007, مساء 09:40] ـ
الغيبة:
احذر أخي المسلم من الغيبة، قال النووي في رياض الصالحين باب تحريم الغيبة: (( ينبغي لكل مكلف أنْ يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنَّه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء ) ) (1) .
والغيبة خصلة ذميمة لا تصدر إلا عن نفس دنيئة، وهي كما عرّفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( ذِكركَ أخاك بما
يكرهُ )) (2) ، وهي محرمة بل هي كبيرة من الكبائر، وقد ذمها الله سبحانه وتعالى بالقرآن العظيم فقال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) ) [الحجرات: 12] ، ولا تقتصر على الكلام باللسان، وإنما كل حركة أو إشارة أو إيماءة أو تمثيل أو كتابة في الصحف أو على
الإنترنت، أو أي شيءٍ يفهم منه تنقص الطرف الآخر؛ فكل ذلك حرام داخل في معنى الغيبة، والإثم يزداد بحسب الملأ وكثرتهم الذين يذكر فيهم المغتاب (3) .
واعلم أخي المسلم: أنَّ الغيبة خسارة كبيرة في حسنات العبد؛ فالمغتاب يخسر حسناته ويعطيها رغمًا عنه إلى من يغتابه، وهي في نفس الوقت ربح للطرف الآخر؛ حيث يحصل على حسنات تثقل كفته جاءته من حيث لا يدري؛ لذا قال عبد الله بن المبارك - وهو أحد أمراء المؤمنين في الحديث: (( لو كنت مغتابًا لاغتبت أمي فإنها أحق بحسناتي ) ) (4) .
تأمل أخي المسلم في قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فيما رواه عبد الرحمان بن أبي بكرة، عن أبيه: أنه ذكر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه، قال: (( أي يوم هذا؟ ) )فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: (( أليس يوم النحر؟ ) )قلنا: بلى، قال: (( فأيُّ شهر هذا؟ ) )فسكتنا حتى ظننا أنَّه سيسميه بغير اسمه فقال: (( أليس بذي الحجة؟ ) )قلنا: بلى، قال: (( فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب فإنَّ الشاهد عسى أنْ يبلغ مَن هو أوعى له منه ) ) (5) .
والذي يتأمل هذا الحديث يعلم حرمة الغيبة، وأنَّها كحرمة يوم النحر في شهر ذي الحجة في الحرم المكي.
ولنتدبر جميعًا قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حينما قال: (( لما عُرِجَ بي، مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم ) ) (6) فالمسلم الذي يحرص على نفسه يتأمل في هذا الحديث ليعلم أنَّ المغتابين يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار من نحاس، وهي أظفار فاقت أظفار الوحوش الضارية؛ ليزدادوا عذابًا جزاءً وفاقًا على أفعالهم القبيحة، وأعمالهم السيئة.
(يُتْبَعُ)