فهرس الكتاب

الصفحة 16854 من 20085

ـ [جذيل] ــــــــ [20 - Mar-2010, مساء 06:57] ـ

فلبث فيها بضع سنين , ثم عاد وما بقي مما كنا نعرف منه شيء.

ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها , و عاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلة الماطرة.

و ذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر , و عاد بقلب ملفف مدخول لا يفارقه السخط على الأرض وساكنها وعلى السماء و خالقها.

و ذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفس فوقها , وعاد بنفس ذهابة نزاعة لا ترى شيئًا فوقها ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها.

و ذهب بنفس مملوءة حكمة ورأيًا , وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملأه إلا الهواء المتردد.

وذهب وما على الأرض أحب إليه من دينه ووطنه وعاد وما على وجهها أصغر في عينيه منهما.

و كنت أرى أن هذه الصور الغريبة التي يتراءى بها هؤلاء الضعفاء من الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم إفراغًا لا تلبث أن تطلع عليها شمس المشرق حتى تنصل و تتطاير ذراتها في أجواء السماء.

و أن مكان المدنية من نفوسهم مكان الوجه من المرآة إذا انحرف عنها زال خياله منها.

فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق فلبسته على علاته وفاء بعهده السابق و رجاء لغده المنتظر متحملًا في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه و فساد تصوراته و غرابة أطواره ما لا طاقة بمثلي باحتمال مثله.

حتى جاء في ذات ليلة بداهية الدواهي ومصيبة المصائب فكانت آخر عهدي به دخلت عليه فوجدته واجمًا مكتئبًا فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماء.

فسألته ما باله؟

فقال:"ما زلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه ولا أدري مصير أمري فيه"قلت:"و أي امرأة تريد؟"

قال:"تلك التي يسميها الناس زوجتي و أنا أسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي و آمالي"قلت:"إنك كثير الآمال يا سيدي ففي أي آمالك تَحَدَّث؟"

قال:"ليس لي في الحياة إلا أمل واحد وهو أن أغمض عيني ثم أفتحها فلا أرى برقعًا على وجه امرأة في هذا البلد"

قلت:"ذلك ما لا تملكه و لا أرى لك فيه"

قال:"إن كثيرًا من الناس يرون في الحجاب رأيي و يتمنون في أمره ما أتمنى ولا يحول بين نزعه عن وجوه نسائهم و إبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهم إلى بعض إلا العجز والضعف و الهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاول الإقدام على أمر جديد , فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العادي [2] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn2) القديم , الذي وقف سدًا دون سعادة الأمة وارتقائها دهرًا طويلًا , وأن يتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من دعاة الحرية و أشياعها , فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرَته و أعظمَته , وخيّل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام و الرزايا الجسام. وزعمت إنها إن برزت للرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياءًا منهن وخجلًا , ولا خجل هناك ولا حياء , ولكنه الموت والجمود و الذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن وخمرهن حتى يأتيهن الموت فينقلهن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة , فلابد لي أن أبلغ أمنيتي و أن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجًا ينتهي بإحدى الحسنيين إما بكسره أو بشفائه"

فورد علي من حديثه ما ملأ نفسي همًا وحزنًا ونظرت إليه نظرة الراحم الرائي:

"أعالم أنت أيها الصديق ما تقول؟"

قال:"نعم أقول الحقيقة التي أعتقدها و أدين نفسي بها واقعة من نفسك و نفوس الناس جميعًا حيث وقعت"

قلت:"هل تأذن لي أن أقول لك أنك عشت فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين رجالهن ونسائهن فهل تذكر أن نفسك حدثتك يومًا من الأيام و أنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك يمينك من أعراض نسائهم فنلت ما تطمع فيه من حيث لا يشعر مالكه؟"

قال:"ربما وقع لي شيء من ذلك فماذا تريد؟"

"قلت:"أريد أن أقول لك إني أخاف على عرضك أن يلم به من الناس ما ألم بأعراض الناس منك""

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت