ـ [أبو الأزهر السلفي] ــــــــ [14 - Aug-2010, مساء 02:09] ـ
رمضان شهر الاجتهاد في الطاعة، لا موسم النوم والكسل
الكلمة الشهرية للعلامة أبي عبد المعز محمد علي فركوس الجزائري-سلمه الله من كل مكروه-.
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أما بعد:
فشهرُ رمضانَ موسمُ خيرٍ وبركةٍ، تُرْجَى فيه التّوبةُ والمغفرةُ، وتُزَكَّى فيه النّفسُ بطاعةِ اللهِ فيما أمر، والانتهاءِ عمّا نهى وزجر، وتُدَرَّب على كمالِ العبوديّةِ للهِ تعالى، فالصّيامُ يحفظ للصّائمِ صحّةَ بدنِه، ويُشْعِره بنعمةِ اللهِ عليه، فيُقْبِل على رمضانَ بالصّيامِ، ويجتهد في حُسْنِ عبادتِه استجابةً لنداءِ المنادي: «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ» (1) ، فيطوِّع نفْسَه الأمّارةَ بالسّوءِ بكسرِ شهواتِها والتّحرُّرِ مِنْ مألوفِها حتّى تصيرَ مطمئنّةً، فيَتدرّج بها في منازلِ الطّاعةِ ويرتقي بها إلى مصافِّ أهلِ التّقوى والدّينِ. قال ابنُ القيّمِ -رحمه الله-: «فالصّومُ يحفظ على القلبِ والجوارحِ صحّتَها، ويُعيد إليها ما استلبتْه منها أيدي الشّهواتِ، فهو مِنْ أكبرِ العونِ على التّقوى كما قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ? [البقرة: 183] ، وقال النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم: «الصِّيامُ جُنَّةٌ» (2) ، وأمَرَ مَنِ اشتدَّتْ عليه شهوةُ النّكاحِ ولا قُدرةَ له عليه بالصِّيامِ، وجعله وِجَاءَ هذه الشّهوةِ. والمقصودُ: أنّ مصالِحَ الصّومِ لَمَّا كانت مشهودةً بالعقولِ السّليمةِ والفِطَرِ المستقيمةِ شَرَعَه اللهُ لعبادِه رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحِمْيةً لهم وجُنَّةً» (3) .
هذا، والنّومُ معدودٌ مِنَ السّننِ الفطريّةِ التي يحتاج إليها البدنُ للرّاحةِ والتّقوِّي على الأعمالِ الدّينيّةِ والطّاعاتِ، وعلى الأعمالِ الدّنيويّةِ مِنَ التّكسُّبِ والاحترافِ والاسترزاقِ، لأنّ للبدنِ حقَّه مِنْ ملاذِّ الحياةِ والرّاحةِ، فله أنْ يأخذَ حقَّه مِنَ النّومِ باللّيلِ ويَقِيلَ بالنّهارِ، لقولِه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لاَ تَقِيلُ» (4) ، غيْرَ أنّ الإسرافَ في النّومِ وسائرِ المباحاتِ والإكثارَ منها مَضَرّةٌ للنّفسِ والبدنِ، والعلماءُ وإنْ أجمعوا على أنّ الصّائمَ إذا استيقظ في النّهارِ ولو لحظةً واحدةً وكان قد نوى الصّيامَ مِنَ اللّيلِ فإنّ صيامَه صحيحٌ، فإنِ استغرقَ جميعَ النّهارِ بالنّومِ فالجمهورُ على أنّ صيامَه صحيحٌ، لأنّ النّومَ لا يُنافي الصّيامَ (5) ، إلاّ أنّ ترجيحَ مذهبِ الجمهورِ مِنْ حيثُ الحكمُ لا يعني جوازَ الإسرافِ في النّومِ تجاوُزًا لمقدارِ حاجةِ البدنِ إليه، لِمَا في الإكثارِ مِنَ النّومِ مِنْ تفويتٍ عريضٍ لمطالبِ الدّينِ والحياةِ، وتعويدِ النّفسِ على الخمولِ والكسلِ والرّكونِ إلى الرّاحةِ، الأمرُ الذي يُفْضي إلى استثقالِ العباداتِ، وصعوبةِ أداءِ الطّاعاتِ، والتّخلِّي عنِ المستحبّاتِ، والقصورِ في المهمّاتِ ومصالِحِ الحياةِ.
كما أنّ أخْذَ النّفْسِ بالمشقّةِ وحرمانَها مِنَ النّومِ زهادةً وعبادةً يُعَدّ -مِنْ جهةٍ أخرى- خروجًا عنِ السّنّةِ المطهَّرةِ والفطرةِ السّليمةِ، فقدْ كان مِنْ هديِ النّبيِّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم أنّه ينام ويصلِّي ويصومُ ويُفْطِر، فقدْ ثبت مِنْ حديثِ أنسِ بْنِ مالكٍ رضي اللهُ عنه أنّه قال: «جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا
(يُتْبَعُ)