فهرس الكتاب

الصفحة 18580 من 20085

ـ [أبو خالد القصيمي] ــــــــ [10 - Aug-2010, مساء 02:08] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

كثر قبل أشهر الكلام حول الاختلاط بين الجنسين الرجال والنساء، وروج لذلك كثير من أفراد المدرسة الليبرالية، ولا عجب في ذلك إذ إن هذا من أهم أهدافهم في جزيرة العرب، وساندهم في ذلك كثير من العلمانيين، وأهل الصحافة، وكان من تلبيسهم التظاهر بالاعتماد على النصوص، والصدور من مواردها، والخبير بمداخلهم الواقف على حقيقتهم يدرك أنهم من النص أجانب، وعن الوحي في جانب، كيف لا يكونون كذلك؟، وكثير منهم يصرح برد النصوص الواضحة لأجل أنها لا تتوافق مع متطلبات العصر ومستجداته، مرة تحت شعار المصلحة، وأخرى تحت شعار عدم تشريعية النص، وثالثة بلا شعار معتمد، وما هي إلا محادة الله ورسوله، هذا وقد حصل عند كثير من العامة، بل وبعض الخاصة الخلطُ في تقرير هذه المسألة، وذلك يرجع إلى أمرين اثنين: الأول: عدم التصور الصحيح لحقيقة الاختلاط المحرم، فليس المراد بالاختلاط مطلق الاجتماع، بل الاجتماع الذي يفضي إلى عدم أطهرية القلوب، وتطلع أصحاب القلوب المريضة إلى الحرام، وهذا هو الحال في اجتماع الجنسين في العمل والتعليم النظامي واللقاءات الأسرية الخاصة ونحوها، وشواهد الواقع قاضية بذلك، ولا يخالف في ذلك إلا مكابر أو مغرض، وأما اللقاءات العارضة وغير المقصودة والتي تكون في الحج والطواف والصلاة والأسواق والطرقات فهذه لا تدخل في الاختلاط المحرم، وجميع النصوص التي تظاهر المخالف بأنه ينزع بها إنما هي من هذا الباب، وبرهان تحريم الصورة الأولى من الاجتماع مجموعة من النصوص منها: قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} ، وتقرير التحريم من هذه الآية: أن الله عز شأنه أمر الصحابة رضي الله عنهم بسؤال نساء النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي عن ضده] ، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم] ، وقد علل سبحانه وتعالى هذا الحكم بأطهرية القلوب من الطرفين، والعلة هنا مستفادة بمسلك الإيماء والتنبيه، فقد اقترن الحكم المستفاد من قوله: (فاسألوهن) بالوصف المستفاد من قوله: (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة باعثة لذلك الحكم لكان معيبًا عند العارفين بالعربية، والقاعدة في الأصول: [أن مسلك الإيماء والتنبيه معتبر في إثبات العلة الشرعية] ، ويلحق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم غيرهن من النساء من باب الإلحاق الأولوي، فحاجتهن لمثل هذا آكد، والقاعدة في الأصول: [أن الإلحاق الأولوي حجة في إثبات الأحكام] ، إذا تقرر هذا، وتقرر أن القاعدة في الأصول: [أن العلة تعمم معلولها (أي الحكم) ] ، فإنه يحرم الاختلاط الذي لا تتحقق فيه أطهرية القلوب.

ومنها أيضا: قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} ، وتقرير التحريم من هذه الآية: أن الله عز شأنه نهى أزوج النبي صلى الله عليه وسلم عن الخضوع بالقول (أي: ترخيم الكلام وتليينه) ، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم] ، وليس هذا الحكم خاصا بهن فالقاعدة في الأصول: [أن ما ثبت في حق بعض الأمة يثبت في حق جميعها ما لم يرد دليل بالتخصيص] ، ولا دليل، وقد علل الله سبحانه وتعالى هذا الحكم بدفع طمع أصحاب القلوب المريضة بالشهوة المحرمة، والعلة هنا مستفادة بمسلك الإيماء والتنبيه، وتقريره على نظير ما سبق، إذا تقرر هذا وتقرر أن القاعدة في الأصول: [أن العلة تعمم معلولها] ، فيحرم الاختلاط الذي يحصل فيه طمع أصحاب القلوب المريضة، وما أكثرهم في هذا الزمان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت