فهرس الكتاب

الصفحة 18581 من 20085

الأمر الثاني (أي من الأمرين الذين يرجع لهما سبب الخلط في تقرير المسألة) : عدم العناية بالصناعة الأصولية في تفهم النصوص ودرك معانيها، ومن المعلوم أن علم أصول الفقه ميزان للشريعة، ومعيار للنصوص، ولا يتسنى للمرء أن يخرج بفهم رجيح واستنباط صحيح إلا إذا اعتمد عليه في تقرير المسائل ونصب الدلائل ....

هذا وقد ظهرت كتابات كثيرة في هذا الموضوع، وكان منها الكتاب الموسوم بـ (الاختلاط بين الجنسين في ضوء الكتاب والسنة من خلال أصول الفقه ومقاصد الشريعة، إعداد / عامر بن محمد فداء بهجت) ، وقد أهدى إلي الأخ الكاتب مسودته (أي قبل طبعه) ، وطلب مني بيان الملاحظات عليه، ولما كان عنوان الكتاب يفهم العناية بالقواعد الأصولية في تقرير المسألة قرأت الكتاب كاملا، وكتبت عليه بعض الملاحظات، ودفعتها إليها، ثم لما طبع الكتاب اطلعت على المطبوع فوجدته غير شيئا، وترك أشياء، ومن الأشياء ما هو واضح الخطأ، ولهذا أردت أن أوقف القارئ على هذه الملاحظات، وما عمله الكاتب تجاهها، في ملاحظات أخر لم أذكرها له فيما سبق، والغرض من هذا كله البيان والفائدة، والله من وراء القصد، وسيكون الكلام في هذا - إن شاء الله - من خلال ثلاث وقفات:

الوقفة الأولى: (مع مقدمة الكتاب) :

-قال الأخ الكاتب في المقدمة في سياق بيان مقصده من الكتابة: (وهل الشريعة تبيح الاختلاط أو تمنعه؟) .

وقد علقت له على هذا بأن بعض الأدلة التي ذكرها لا يستقيم أن يستدل بها على التحريم، وأن غاية مفادها الكراهة، وعليه فلا بد من حذفها، فأرسل إلي بأن مراده من المنع ما يشمل منع الكراهة، فأجبت عن ذلك: بأن الأصل في إطلاق لفظ المنع التحريم، فالمنع لغة أن تحول بين الرجل والشيء الذي يريده، وهو على خلاف الإعطاء، والمحرم في اللغة الممنوع، وما جاء عن بعض الفقهاء من استعمال هذا اللفظ في الكراهة جاء مقيدًا في الغالب (منع كراهة) ، فلا يصح استعماله مطلقا على أنه اصطلاح، ولا سيما أنه قابله بالإباحة (تبيح الاختلاط أو تمنعه) ، وفي استعماله شيء من الإيهام لبعض القراء، وهم كثير.

الوقفة الثانية: (مع الاستدلال بالقرآن على المسألة) :

أولًا: الكلام على قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} .

-في مسودة الكتاب قال الأخ الكاتب:"فإن قيل: الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولهن من الخصوصية ما لهن."

فالجواب من وجهين:

الأول: أن القاعدة في الأصول: (إذا توجه الحكم إلى بعض الأمة شمل جميع الأمة) ، إلا إذ دليل على اختصاص الحكم بالمخاطب.

الثاني: أنه لما ثبت ذلك الحكم في حق أمهات المؤمنين مع أنهن طاهرات مطهرات فغيرهن من باب أولى لأن الحكم معلل بقوله: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) "."

علقت له على هذا فيما معناه بأن الوجه الأول لا يصح من جهة أن الخطاب هنا لم يتوجه لأمهات المؤمنين بل للصحابة الرجال، وأن هذا التقرير إنما يستقيم إذا وجه لهن بأن قيل: افعلن كذا، وعلاقتهن بالخطاب أنهن محل.

وفي الوجه الثاني ملاحظة، وهي: أنه قال: (ثبت ذلك الحكم في حق أمهات المؤمنين ... ) ، قلت: هو ثابت في حق الصحابة الرجال مع أمهات المؤمنين، وعليه فيعدل.

وذكرت له أن قوله في تعليل الأولوية: (لأن الحكم معلل بقوله .... ) ، لا يكفي بل لا بد من إثبات أن غيرهن من النساء أشد حاجة لتحقيق هذا الوصف، وقد حذف الأخ الكاتب الوجه الأول في المطبوع، وعدل الوجه الثاني وفق ما ذكرت، ولم يشر إلى ذلك.

ثانيًا: الكلام على قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} .

-قال الأخ الكاتب:"قال الشوكاني - رحمه الله - في تفسيره: (قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء) أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء وينصرفوا منه حذرا من مخالطتهم".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت