ـ [ابو محمد الغامدي] ــــــــ [06 - Nov-2007, مساء 01:15] ـ
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله
أستدل المؤلف ـ رحمه الله ـ بقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: من الآية19] .
ولمحبة شيوع الفاحشة في الذين آمنوا معنيان:
المعنى الأول: أن يحب شيوع الفاحشة في المجتمع المسلم، ومن ذلك من يبثون الأفلام الخليعة، والصحف الخبيثة الداعرة، فإن هؤلاء ـ لا شك ـ يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم، ويريدون أن يفتتن المسلم في دينه بسبب ما يشاع من هذه المجلات، والأفلام الخليعة الفاسدة، أو ما أشبه ذلك.
وكذلك تمكين هؤلاء مع القدرة على منعهم، داخل في محبة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) [النور: 19] ، فالذي يقدر على منع هذه المجلات وهذه الأفلام الخليعة، ويمكن من شيوعها في المجتمع المسلم، فهو ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي عذاب مؤلم في الدنيا والآخرة.
ونقول: إنه يحب على كل مسلم أن يحذر من هذه الصحف وأن يتجنبها، وألا يدخلها في البيت، لما فيها من الفساد: فساد الخلق ويتبعه فساد الدين؛ لأن الأخلاق إذا فسدت؛ فسدت الأديان، نسأل الله العافية.
المعنى الثاني: أن يحب أن تشيع الفاحشة في شخص معين، وليس في المجتمع الإسلامي كله، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، مثل أن يحب أن تشيع الفاحشة في زيد من الناس لسبب ما، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا الآخرة، لاسيما فيمن نزلت الآية في سياق الدفع عنه، وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ لأن هذه الآية في سياق آيات الإفك، والإفك هو الكذب الذي افتراه من يكرهون النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن يحبون أن يتدنس فراشه، ومن يحبون أن يعير بأهله من المنافقين وأمثالهم.
وقضية الإفك مشهورة (1) ، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا؛ أقرع بين نسائه، وذلك من عدله عليه الصلاة السلام، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بين نسائه ذات سفرة؛ فخرج السهم لعائشة فخرج بها.
وفي أثناء رجوعهم عرّسوا في أرض، يعني ناموا في آخر الليل، فلما ناموا احتاجت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تبرز لتقضي حاجتها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل في آخر الليل، فجاء القوم فحملوا هودجها ولم يشعروا أنها ليست فيه؛ لأنها كانت صغيرة لم يأخذها اللحم، فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولها ست سنين، ودخل عليها ولها تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، فحملوا الهودج وظنوا أنها فيه ثم ساروا.
ولما رجعت؛ لم تجد القوم في مكانهم، ولكن من عقلها وذكائها لم تذهب يمينًا وشمالًا تطلبهم؛ بل بقيت في مكانها وقالت: سيفقدونني ويرجعون إلى مكاني.
ولما طلعت الشمس إذا برجل يقال له صفوان بن المعطل، وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا، كما هو حال بعض الناس الذين إذا ناموا لا يستيقظون، حتى ولو علت الأصوات من حوله. فكان صفوان من جملة هؤلاء القوم، فكان إذا نام؛ تعمق في النوم فلا يمكن أن يستيقظ إلا إذا أيقظه الله عز وجل كأنه ميت.
فلما استيقظ وجاء وإذا أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ وحدها في مكان في البر ـ وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب ـ فما كان منه إلا أن أناخ بعيره ولم يكلمها بكلمة، لم يقل لها: ما الذي أقعدك؟ أو لماذا؟
والسبب في أنه لم يتكلم هو احترامه لفراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يريد أن يتكلم مع أهله بغيبته رضي الله عنه، فأناخ البعير ووضع يده على ركبة البعير ولم يقل اركبي ولا تكلم بشيء، فركبت ثم ذهب بالبعير يقودها، ولم يكن يسوقها حتى لا ينظر إليها ـ رضي الله عنه ـ.
(يُتْبَعُ)