فهرس الكتاب

الصفحة 19447 من 20085

ـ [احمد زكريا عبداللطيف] ــــــــ [28 - Oct-2010, صباحًا 01:10] ـ

الحج هو الشعيرة الخامسة من شعائر الإسلام الكبرى .. رحلة يطوي فيها المسلم بعده عن البيت العتيق .. ليتفقد سيرة أبيه إبراهيم .. ورسوله الكريم .. يحدوه فيها الشوق والوجد .. وتغمره خلالها مشاعر الرضا والفرحة .. ويستشعر فيها ضعفه وحاجته .. ويتجسد أمامه ضعف العبودية .. ويرى بعين قلبه عظمة الربوبية .. تاركا ً وطنه وأهله وماله .. متوجها ً بقلبه وجسده وعقله إلى الله .. طالبا ً منه العفو والصفح والقبول دون سواه.

ولقد تحدث الداعية الكبير الشيخ/ محمد الغزالي يرحمه الله عن هذه الشعيرة العظيمة حديثا ً لا تكاد تجده على هذا النحو عند أحد من علمائنا رضي الله عنهم.

وقدم فيه أفكارا ً جديدة .. وأشار إلى لفتات إيمانية وروحية .. ووضع أيدينا على جوانب اجتماعية وسياسية .. لا يسعنا إلا أن نقف أمامها نأخذ الموعظة البليغة والعبرة النافعة من هذه النظرة الفريدة التي تمثلت فيما يلي:

الحج نداء قديم جديد

الحج طاعة مطلقة وانقياد تام وتناغم كامل

الحج وفاء وتلبية وإخلاص

الحج وحدة وتجرد

الحج ثقة في الله وتوكل عليه

الحج يجمع بين العقل والعاطفة

ذكر الله أساس في مناسك الحج

الحج اهتمام بالجانب السياسي في الأمة

أولا ً: الحج نداء قديم جديد:

في زحمة الحياة ومعركة الخبز التي تسود الأرجاء وترهق الأعصاب .. وفي زحام الحياة والناس يلهثون وراء مآربهم القريبة والبعيدة .. كان هناك أشخاص آخرون يخلصون بأنفسهم بعيدا ً .. ويصغون إلى نداء آخر يجيء من وراء القرون .. ويتردد صداه على اختلاف الليل والنهار .. هو في نظر الشيخ نداء قديم جديد.

قديم لأن أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام أول من أعلنه، وصدع بأمر الله حين قال له:"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ".. الحج: 27.

وجديد لأن خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) ندب إليه وقاد قوافله ووضع مناسكه وبين ما رصد الله له من جوائز وربط به من منافع .. وكان آخر عهده بالجماهير الحاشدة وهي تصيح إليه في حجة الوداع يزودهم بآخر وصاياه وأحفلها بالخير والبر.

ثانيا ً: الحج طاعة مطلقة وانقياد تام وتناغم كامل:-

والحج في فكر الشيخ الغزالي يرحمه الله طاعة مطلقة لله تعالى، وانقياد لأمره، وتناغم بين الحجيج والملكوت والكائنات جميعا، فوفود الحج وهي تنطلق صوب البيت العتيق مخلفة وراءها مشاغل الدنيا، وهاتفة بأصواتها خاشعة:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك".. إن هذه الوفود تؤكد ما يجب على الناس جميعا لله سبحانه وتعالى من طاعة مطلقة، وانقياد تام، وذكر وشكر، وتوحيد وتمجيد.

ويتساءل الشيخ في هذا الصدد قائلا ً: هل العالم يتذوق هذه المعاني؟ .. ويستشعر حلاوتها؟

كلا .. فما أكثر التائهين عن الله .. والمتمردين على حقوقه.

ما أكثر العابدين بغير ما شرع .. والحاكمين بغير ما أنزل .. إن هؤلاء العاصين نغمة شاذة في كون يسبح بحمد ربه:"أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ".. آل عمران: 83.

دع عنك هؤلاء التائهين، وأرمق الوفود المنطلقة صوب مكة تجأر بالتلبية .. ويسير بها البر والبحر والجو .. إن جؤارها بالتلبية يصدقه كل شيء في البر والبحر والجو.

فالمُلبِّي حين يرفع عقيرته مناجيا ً ربه ومصدقا ً أخاه .. ومقررا ً أشرف حقيقة في الوجود يتجاوب معه الملكوت الساجد طوعا ً وكرها ً .. أو يتجاوب معه الملكوت الذي يبارك رحلته ويحترم حجته.

فلا عجب أن يتجانس الكون المسبح بحمد الله مع إنسان انخلع عن نفسه .. وانطلق في سفر صالح يبتغي مرضاة الله.

وفي هذا يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) "ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وها هنا".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت