ـ [بوعبدالله السلفي] ــــــــ [12 - Jun-2007, صباحًا 07:41] ـ
إمتاع ذوي القُرُب
بِفَهْمِ حَديثِ
(أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)
لفضيلة الشيخ
عبد الله بن عبد الرحيم البخاري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسلام على نبينا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذا هو المكتوب الثالث في سلسلة الذَّب عن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، و هو يتعلَّق بردِّ شبهةٍ تُثار عَلَى فَهْمِ بَعْضِ أَحَاديث رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
والَّذي دفعني إِلَى الكتَابَةِ فِي هَذا الْمَوضُوعِ، مَا رأيتهُ مِنْ تَشْغيبٍ لِبَعْضِ النَّاسِ حَولَ هَذهِ الأحَاديث؛ ولهم في ذلك مآربُ مُخْتَلفة؛ فَمِنْهُم الْمُضَلِّلُ الدَّاعي إلى ضَلاَلِهِ لِيَسْتَحِلَّ بِذَلِكَ السَّيْف! وَمِنْهُم مَنْ هُو بُوقٌ لأُولِئَكَ، وَمِنْهُم مَن اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحَقّ بِالبَاطِلِ فَصَار يُرَدِّدُ البَاطلَ مِنْ غَير تَمْييزٍ وَ لاَ فُرْقَان! وَ مِنْ أهْلِ الْحَقِّ مَنْ ضَعُفَ أمَامَ هَذا التَّشْغيبَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ جَوابًَا؛ إمَّا لِقِلَّة حِيْلَتِهِ أَوْ لِضَعْفِ تَحْصيلهِ أو لِغْفَلةٍ أصابتهُ أو نحو ذلك.
وَالمتأملُ في السَّاحةِ اليومَ يَجدُ أنَّ مِنْ أَشَدِّ الفِتَنِ فِي هَذا العَصْرِ فِتْنَة الْخَوارج المارقين؛ فَقَد ذَرَّ قَرنهم وَكَثُرتْ أَبْواقُهم وَ ازْدَادَ شَرُّهم؛ فَبَثُّوا شُبَههم عَلَى النَّاسِ، وَ لبَّسوا عَلَيْهم دِيْنَهم، فقَلَبُوا الحقَّ بَاطلًا، والبَاطِل حَقًَّا، وتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشابه وَ تَركُوا الْمُحْكَمَ؛ فَضَلُّوا و أَضَلُّوا!! ثُمَّ الويل والثُّبور لِمَنْ خَالفَ؛ فَالسَّيف مَوعِدُهُ!!.
وَ لئنْ كَان الأمر كَذلك، فَلا تعجبْ لِلضَّعف الَّذي تراهُ يَسري في جَسدِ الأمة، والَّذي تسَبَّب - عكسًا- في تَقْويةِ أَهْلِ البِدَعِ وَمِنْهُمُ الْخَوارج؛ فَإنَّ لِذَلِكَ عدَّة أَسْباب، مِنْ أَهَمِّهَا:
قلَّة العلم السُّنِّي السَّلفي وظهور الجهل؛ فإنَّ قلَّة العلم وذهاب حملته نذير شرٍّ على الأمة، فقد أخرج البخاري في (صحيحه) (كتاب العلم/ باب رفع العلم وظهور الجهل) (1/رقم 80/ 187 - فتح) ومسلم في (صحيحه) (كتاب العلم/ باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان) (4/رقم 2671(8) /2056) كلاهما من طريق عبدالوارث ثنا أبو التياح عن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ من أشراط السَّاعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا) .
و أخرج الشيخان أيضًا في صحيحهما من حديث شعبة عن قتادة عن أنسٍ قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحدٌ بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعةِ أنْ يَقلَّ العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأةً القيم الواحدُ) . هذا لفظ البخاري (1/رقم 81/ 187 - فتح (وهو عند مسلم (4/ رقم 2671(9) / 2056) وفيه (أن يرفع العلم) بدل (أن يقل) .
والشَّاهدُ مِنْ حديث أنس قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إنَّ مِنْ أشراط السَّاعة: أنْ يُرْفَع العِلم و يظهر الجهل) فذكر أنَّ ذَلِكَ مِنْ أوائلِ عَلاماتها!! فيرفع العلم ويظهر نقيضه وهو الجهلُ، وقد بيَّن صلَّى الله عليه و آله وسلَّم كيفية رفع العلم في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه المتَّفق عليه حيث قالَ: (إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يَقْبِضُ العِلَمَ بِقَبضِ العُلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ النَّاس رُؤسًا جُهَّالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا) لفظ البخاري.
قال العلاَّمة القرطبي في (المفهم) (6/ 705) :"فهذا نصٌّ في أنَّ رفع العلم لا يكون بمحوه من الصَّدور بل بموت العلماء وبقاء الجهَّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يفتون بالجهل، ويُعلِّمونه، فينتشر الجهل ويظهر".
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (1/ 179) شارحًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أنس (أن يرفع العلم) قال:"المراد برفعه موت حملته".
(يُتْبَعُ)