فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومِنَ المسَلَّم به أنَّه إذا رُفع العلمُ رُفعَ العمل به! إذْ كَيْفَ تَعْمَلُ النَّاس بالعِلْمِ الصَّحيح وقد رُفِعَ أهْلُه، وظَهَر الجهل وأهله؟! لذا قَال العلاَّمة القرطبي:"فإنَّه إذا ذهبَ العلمُ بموت العلماء، خلفهم الجهَّال، فأفتوا بالجهل، فعُملَ به، فذهب العلمُ والعمل".
وقد أخرج الدارمي في (سننه) (رقم 247/ 95) بسند صحيح عن هلال بن خباب قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم.
و لا تعارض بين روايتي حديث أنس (أن يرفع) و (أن يقل) ، فإنَّ أهل العلم قد وفَّقوا بينهما، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (1/ 179) :"فيحتمل أن يكون المراد بقلتهِ أولُّ العلامة، وبرفعه آخرها، أو أُطلقت القلَّة و أُريد بها العدم، كما يطلق العدم ويراد به القلَّة، وهذا أليق لاتحاد المخرج".
ومن النُّكات العلمية المهمَّة الَّتي لفتَ إليها الحافظ ابن حجر - رحمه الله- في حديث أنسٍ من رواية شعبة عن قتادة، قوله:"وكأنَّ هذه الأمور الخمسة خُصَّت بالذِّكر لكونها مشعرةٌ باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي الدينُ؛ لأنَّ رفع العلم يخلُّ به، والعقل؛ لأنَّ شرب الخمر يخلُّ به، والنسب؛ لأنَّ الزنا يخلُّ به، والنفس والمال؛ لأنَّ كثرة الفتن تخلُّ بهما".
قال العلاَّمة الشاطبي- رحمه الله- في (الاعتصام) (2/ 11 - 12) مبيِّنًا طرق الراسخين في العلم حتى نسلكها، ومحذِّرًا من طرق أهل الزيغ كي نتجنبها، و ذكر أدلة في المقام منها حديث ابن مسعود - رضي الله عنه-: (خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًا .. ) الحديث، ثم قال:"ففي الحديث أنها خطوط متعددة غير محصورة بعددٍ، فلم يكن لنا سبيل حصر عددها من جهة النقل، و لا لنا أيضًا سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو الاستقراء. أما العقل؛ فإنه لا يقضى بعدد دون آخر؛ لأنَّه غير راجع إلى أمر محصور، ألا ترى أن الزيغ راجعٌ إلى الجهالات! ووجوه الجهل لا تنحصرُ ... وأما الاستقراء؛ فغير نافع أيضًا في هذا المطلب؛ لأنَّا لما نظرنا في طرق البدع من حين نبغت وجدناها تزداد على الأيام، و لا يأتي زمانٌ إلا وغريبةٌ من غرائب الاستنباط تحدث، إلى زماننا هذا، وإذا كان كذلك، فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالاتٌ أُخر لا عهد لنا بها فيما تقدَّم، لا سيما عند كثرة الجهل، وقلَّة العلم، وبُعد النَّاظرين فيه عن درجة الاجتهاد".
فها أنت ترى أنَّه - رحمه الله- أرجعَ الأمر في كَثْرة البدعِ إِلَى قِلَّةِ العِلْمِ وَكَثْرة الجهل، وصدَقَ رَحمه الله، فما زلنا نرى استدلالات لا عهد لهم ولا لأهل العلم قبلهم بها! كما هو حال الخوارج ومَن لفَّ لفهم من أفراخهم وإن تسموا بأسماء برَّاقة خدَّاعة، فالحقيقة واحدة!
و من جميل ما نقله العلاَّمة الشاطبي - رحمه الله- عن بعض أهل العلم قوله عقب ذِكْرِهِ حَديثَ عبدالله بن عمرو المتِّقدمِ ذِكْرُهُ في (رفعِ العِلم) قال:"قال بعض العلماء: تدبَّروا هذا الحديث؛ فإنَّه يدلُّ على أنَّه لا يؤتى الناس قطُّ من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنَّه إذا مات علماؤهم أفتى مَن ليس بعالمٍ، فيؤتى الناس من قبله، وقد صُرِّف هذا المعنى تصريفًا، فقيل: ما خان أمينٌ قطُّ، ولكنه ائتمن غير أمين فخان، فقال: ونحنُ نقولُ: ما ابتدعَ عالِمٌ قطُّ، ولكنَّه استُفتي مَنْ ليس بعالمٍ، فضلَّ وأضلَّ" (الاعتصام) (3/ 129 - ط مشهور) .
ومما تقدم يبتين أنَّه بتحصيل العلم السُّني الصَّافي ونشره بين الناس والصَّدع به، تنحسرُ- بإذن البدع- وتنكسر شوكة أهلها؛ فما علا سيفُ السُّنَّة والعلم رؤوس أهل البدع إلا و قطعها!! والتأريخ خير شاهدٍ، فانظر إن شئت إلى مناظرة ابن عباس - رضي الله عنهما- للخوارج الحرورية حيث أتاهم في معسكرهم وناظرهم وحده!! وليس معه إلا سيف العلم، وتوفيق الله سابق له، فعلا تلك الرؤوس وقطع شبهها ودحض باطلها حتى رجع من القوم نحوًا من الثلث). (المستدرك) (2/ 150) وهي صحيحة.
يتبع ..
ـ [بوعبدالله السلفي] ــــــــ [14 - Dec-2008, مساء 10:03] ـ
وهذا الإمام أحمد بن حنبل قد سجن وجلد وعذب على أن يقول مقولة الكفر فأبى رضي الله عنه، وجابه ذلك كله بسيف العلم والسُّنَّة، فأنحسر الباطل وأهله بمنَّة الله وكرمه، ثم بثباته رضي الله عنه على الحقِّ.
وهكذا الحال فيمن نظر إلى أحوال المصلحين المجدِّدين لهذه الأمة أمر دينها حتى في هذه الأزمان المتأخرة، فقد جمعوا بين سلاح التوكل على الله و الاستعانة به، وسلاح العلم الصَّحيح، فأظهرهم الله وخلَّد ذكرهم ونصر بهم دينه.
ولعل في هذا القدر كفاية في بيانٍ سبب من أعظم أسباب ظهور البدع، وإن كانت هناك أسبابٌ أخرى لعلي أتعرض لها في مقام آخر.
وعودٌ على بدء؛ فأقول: إنَّ من الأحاديث التي شغَّبَ بَها أهل الأهواء وفسَّروها على أهوائهم، الأحاديث الآمرة بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فجاءوا بما يدلُّ على انحراف فهمهم و جهلهم الفاضح! حيث عدُّوا ذلك من المكفِّرات التي يُبررون بها أعمالهم الإجرامية في هتك الحقوق والممتلكات والاعتداء على المعصومين! بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك ففهموا من (الأمر بإخراجهم) أَسْرهم بَل وَقتلهم!!
و لازلت أذكر ظهور أحد رؤوس الفتنة وقد خرج في شريط كمبيوتر مُسجل أراني إياه بعض طلبتي، وهو يَصْرُخُ وَ يُهدِّدُ بأنه سَيُحَاربُ المنافقين! وسَيُطَبِّقُ - زَعَم- وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخراج المشركين من جزيرة العرب!! و قد جعل خلفه لوحة كبيرة كُتب عليها حديث (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) !!.
وعلى أية حالٍ فإنني رغبت في كشف الأمر وتجليته ذبًَّا عن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودفاعًا عَنْ هَذا العِلْم الشَّريف مِنْ تَلويثِ هَؤلاء الجهلاء الدُّخلاء!.
و الطريقة التي اتبعتها في هذه الكتابة المختصرة هي:
أ/ أذكر بعض الأحاديث الواردة في الباب، وهي تكفي في الدلالة على المراد.
ب/ أُتبع ذلك بنقولات عن بعض أهل العلم في هذا المقام، تظهر جليًا الحقَّ للمنصف الراغب في معرفته، وسمتيه (إمتاع ذوي القُرُب بِفَهْمِ حَديثِ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) ، وما توفيقي إلا بالله.
يتبع ..
(يُتْبَعُ)