ـ [العاصمي من الجزائر] ــــــــ [02 - Apr-2009, مساء 03:54] ـ
الفتوى وأهلها
(منقول عن موقع منار الجزائر)
بقلم الشيخ أحمد حماني رحمه الله
رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر / سابقا
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم و أضلوا"حديث صحيح رواه البخاري و مسلم و غيرهما.
الفتوى - لغة - من مادة الفتاء بمعنى الشباب عنوان القوة كما حققه اللسان، و هي اسم مصدر الإفتاء، و الفتيا - كما قال - تبين المشكل من الأحكام، و أفتى المفتي إذا أحدث حكما أو جعل لمن استفتاه رخصة و جوازا. وإنما يبين المشكل و يوضحه، ويصدر الحكم و يشرعه، و يوسعما ضاق من الأمر و يشرحه من كان عليما بالأمور، خبيرا يحل العويص منها، عارفا بطرق علاج العسير و ذلك ما يعالجه المفتي في الإسلام.
منصب المفتي:
هذاالمنصب في الإسلام من أعظم المناصب و أخطرها، لا يتولاه - في الأصل - إلا العالم الذي بلغ درجة الاجتهاد في الشريعة، لأنه قائم مقام صاحبها عليه الصلاة و السلام في إصدار الأحكام و بيان الحلال و الحرام. قال الشاطبى في الموافقات"المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه و سلم"و ساق على هذا أدلة كثيرة منها قوله عليه الصلاة و السلام"إن العلماء ورثة الأنبياء، و إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما و إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"رواه أبو داود و الترمذي من حديث أبي الدر داء رضي الله عنه و منها قوله صلى الله عليه و سلم"بلغوا عني و لو آية"رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، و التبليغ وظيفة النبوة، و منها قول الله سبحانه"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم"و النذارة - كالبشارة - من مهام النبوة.ثم ذكر الشاطبى أن المفتي مخبر عن الله، و موقع على أفعال المكلفين بحسب نظره ن و نافذ أمره في الأمة.
و هو في هذه الأمور كالنبي وارث له قائم مقامه واجب أن يطاع. وأن العلماء هم أولو الأمر في قوله تعالى
"يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم"فهذه منزلة خطيرة تبوأها المفتي أو المجتهد كما هو اسمه أيضا عند أهل الأصول.
المفتي لا يكون إلا عالما:
فمن البديهي أن المفتي لا يكون إلا عالما لأنه مبين لأحكام الشريعة و موضح لما أشكل منها على المستفتي. و إنما ورث من النبوءة العلم كما صرح به الحديث و الآية توجب طلبه، فالتفقه في الدين فرض على المفتين و إجابة الرؤساء الجهال بغير علم لما سئلوا جعلهم من الضالين المضلين.
و لهذا أجمع علماء الأصول على أنه لاينتصب للإفتاء إلا من كان جامعا لعلوم شتى، و شروط معدودة إن اختل واحد منها لم يجز أن يستفتى و لا أن يفتي. و كان مالك بن أنس و شيوخه لا يسمحون لكل من شاء أن يجلس في المسجد للأخذ عنه حتى يكون أهلا لذلك.
أما شروط المفتي أو المجتهد التي لابد أن تتوفر فيه و أجمع عليها الأصليون فهي:
أولا: أن يكون عالما بنصوص الكتاب و السنة فإذا قصر في أحدهما لم يكن أهلا للإفتاء.
قالوا و لا يشترط فيه الإحاطة يهما و بعلومهما، و إنما الشرط فيه أن يعرف كل ما يتعلق بحكم الشرع. و بالغ بعضهم فاشترط أن يحفظ المفتي خمسمائة حديث، و نسب إلى الأمام أحمد، ونسب إليه أيضا أنه قال:"أقل ما ينبغي معرفته الأصول التي يدور عليها العلم على النبي صلى الله عليه و سلم و ينبغي أن تكون ألفا و مائتين"اهـ.
و قال الشكاني في"إرشاد الفحول":"أن الحق الذي لا شبهة فيه أن المجتهد لا يكون إلا عالما بما اشتملت عليه السنن التي صنفها أهل السنن كالأمهات الست ... وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها و الحسن و الضعيف"
ثانيا: أن يكون عارفا بمسائل الإجماع - أي بالمسائل التي انعقد عليها الإجماع في عصر من العصور السابقة حتى لايفتي بخلافها لأن وقوع الإجماع دليل على أنه الحق فما خالفه باطل.
(يُتْبَعُ)