فهرس الكتاب

الصفحة 12098 من 20085

ثالثا: أن يكون عالما بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب و السنة من الغريب، و إنما يعرف ذلك من كان عالما بالنحو و التصريف و المعاني و البيان حتى يصير في كل منها ذا ملكة راسخة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، و لا تنبت له هذه الملكة القوية في هذه العلوم إلا بطول الممارسة و كثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن.

رابعا: أن يكون عالما بأصول الفقه، طويل الباع بهذا العلم، مطلع على ما قرره فيه علماؤه مختصراتهم ومطولاتهم. فإن هذا العلم هو عماد الاجتهاد و أساسه.

خامسا: أن يكون عارفا بالناسخ و المنسوخ بحيث لا يخفى عليه شيء من ذلك مخافة أن يقع في الحكم المنسوخ.

فهذه الشروط الخمسة متفق عليها، و زاد بعضهم شروطا لم يجمع عليها كالعلم بأصول الدين"علم الكلام"

و كالعلم بفروع الفقه و التبحر في كتبه.

ثم لا بد بعد أن استكمل في المفتي شرائط الاجتهاد المتقدم ذكرها - من شروط العدالة و من الكف عن الترخص و التساهل.

مجال نظر المفتي:

و أما مجال نظر المفتي (المجتهد) و ميدان اجتهاده فهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع،فما كان دليله قاطعا، و حكمه معلوما بالضرورة انه من الدين كوجوب الصلوات الخمس، الزكاة، و الحج على من استطاع، و كحرمة الزنا، و الخمر و الربا و عقوق الوالدين فلا نظر فيه للمجتهد، فالحق قد تعين، و منكر وجوب الواجب أو حرمة المحرم كافر لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة.

فتوى من لا يبلغ درجة الاجتهاد:

أجاز الأصوليون لمن كان عالما و لم يستكمل شروط الاجتهاد السابق ذكرها أن يفتي بمذهب مجتهد من المجتهدين، بشرط أن يكون أهلا للنظر مطلعا على مأخذ ذلك القول الذي أفتى به متبحرا في مذهب إمامه متمكنا من ترجيح أحد قوليه على الآخر.

و على المستفتي أن يسأل - إذا نزلت به نازلة - أهل الديانة و الورع عن العالم بالكتاب العارف بالسنة المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما ليسأله عما نزل به. إذا لم يكن في البلد عالم اشتهر عند الناس بالفتوى و هو أهل لها.و اتفق علماء الأصول على أنه لا يجوز أن يستفتى مجهول الحال حتى يمتحن من العلماء و يراجع و تثبت أهليته.

ثقل مسؤولية المفتي:

شدد العلماء في شروط المفتي (المجتهد) احتياطا لدين الله، و حماية للشريعة من تلاعب الجهال و الزنادقة، و الفساق، لأن قول المفتي يصبح شريعة يحكم بها، و قد تهرب العلماء من إفتاء و مناصبه خوفا من الله و مهابته، و خشية أن يقولوا- و لو مرة - بغير علم. و من انتصب منهم للفتوى كان شديد الاحتياط،يتوقف كثيرا قبل الإجابة، و لا يتسرع، فإن بان له وجه الحكم نطق به،وإن أشكل عليه أو غاب عنه أجاب بقوله"لا أدري"و لا يخشى من إعلان جهله أمام الناس، فإن ذلك أولى من أن يقول بغير علم فيضل و يضل غيره.وقد اشتهر عن - مالك ابن أنس - و هو عالم المدينة و إمام الأئمة أنه سئل عن ثمان و أربعين مسألة فأجاب في اثنتين و ثلاثين منها قوله"لا أدري"قال ابن وهب سمعته يعيب كثرة الجواب من العالم حين يسأل و سمعته عند ما يكثر عليه السؤال يكف و يقول"حسبكم، من أكثر أخطأ"و يعيب كثرة ذلك، نقل هذا أبو إسحاق الشاطبى.

باب الاجتهاد مازال مفتوحا و لكن ...

الإسلام دين العلم، و الدعوة إلى التفكير و التدبير و استعمال العقل لا يمكن أن يحجر على المسلمين الاجتهاد، و قدنص علماؤنا على أن باب الاجتهاد يبقى مفتوحا.

و مذهب الأمام احمد أنه لايجوز أن يخلو عصر من العصور من وجود مجتهدين، و هذا يستلزم بقاء بابه مفتوحا لكل من بلغ درجته، و استكمل شروطه أن يجتهد، و لا يجوز له أن يقلد قال أبو إسحاق الشاطبى في الموافقات:"الاجتهاد على ضربين: احدهما لا ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف و ذلك عند قيام الساعة. والثاني (يمكن) أن يقطع قبل فناء الدنيا ... ا هـ. فهذا الأصولي العظيم عندما ذكر انقطاعه ذكر كلمة (يمكن) مجرد الإمكان و لم يجعله حتما. فما على من أراد أن يطرق الاجتهاد أن يشمر على ساق الجد حتى يستكمل شرائطه و ينتصب حبرا أعظم في مجتمع المسلمين ..."

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت