فهرس الكتاب

الصفحة 16758 من 20085

ـ [أبو علاء الصنهاجي] ــــــــ [10 - Mar-2010, مساء 11:35] ـ

قال العلامة الرّحّال أبو الخطاب عمر بن حسن ابن دحية الكلبي البلنسي السبتي (ت633هـ) في كتابه «النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس» حاكيا عما استفاده من تَجواله في البلدان، وما أخذه من عبر في تجارب الأُمم والأقوام:

«قال ذو النسبين أيده الله: وقد دخلتُ بغداد مرارا، واستأذنت سُدّة الخلافة الناصرية جعل الله الأقدار لها أنصارا، في الرواية بها وبواسط القصب، فأذن لي سرا وجهارا، فامتثلتُ الإذن وقطعتُ من كبار المصنفات أسفارا، واستضأتُ من علوم السّنة بما يعد مع الصبح إشراقا وإسفارا.

فحقه أول واجب يُؤَدّى، وأوجبُ حق يُبَدّى، فهو الخليفة الإمام الأهدى، صِنْوُ الغَمام الأَسْكَب الأندى، ومليكُ الأمة الذي جاوز ملكه المَدَى، واحتاز الملوك عُبَّدَى، وتَبَدَّى علمه نورا على علم الهدى، فعلّم وهدى، وغمر بالجَدَى، وحَكَّم المَناصل في هام العِدَى، وحكم للبأس تارة وطورا للنَّدَى.

ترتاح أندية الندى والباس

من ذكر مولانا أبي العباس

نجل الخلائف وابن عم محمد

خير البرية من جميع الناس

قال ذو النسبين أيده الله:

وبعد هذا الشرف الفخم، والملك الضخم، لم ينجهم من الموت شرفُ بني هاشم، ولا وقى عنهم كلَّ عاد وغاشم، ولا وقاهم أيضا الراجل والفارس، ولا الحامي والحارس، ولا المواكب والمضارب، والنجائب والجنائب، ولا العساكر والدساكر والمقانب والكتائب، لما نفذ العمر والوَفْرُ، ودار السِّمَاك والغَفْرُ، وهذه عادة الله تعالى في الأمم السوالف كان آخرهم إلى المهالك والمتالف.

ولما رحلت في طلب العلم إلى البلدان من بلاد بنى عبد شمس إلى بلاد بنى عبد المدان، ودخلت خراسان، وعاينتُ ملك بني ساسان، وسلكتُ على إقليم طوس إلى مدينة طابران، وقصدتُ الرواية بإِسْفَرَايِين، وانحدرتُ إلى جُرْجَان، وركبتُ البحر إلى بلاد مَازَنْدَرَان، وقرأت بمدينة آمُل وهي طَبَرِسْتَان قاعدة ملك الأرض كلها الضّحّاك الذي عاش ألف سنة في عدوان وطغيان إلى أن قتله الملك العظيم أَفْرِيذُون بن أفقيان.

ووصلتُ بلاد قُهُسْتَان إلى ساوة، إلى آوة إلى مدينة قُم إلى قاسان، إلى المدينة الكبرى أصْبَهَان موضع عبادة النيران، ومراقبة القران والكفر بالرحمن، في أول الزمان، وعبرت منها إلى إاصْطَخْرَ قاعدة النبي سليمان، وأخذت من طريق خُوزِسْتَان، إلى طريق حُلْوان، وقاسيت من الغربة أصناف الألوان، ومررت على مدائن كسرى أَنُوشروان، وزرتُ بها قبر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم الزاهد العابد المعمر سلمان، وأعملتُ منها السير والإغذاذ إلى مدينة بغداذ، فنظرتُ إليها معالم وربوعا، وأقمت بها مرة عاما ومرة أسبوعا وأسبوعا، وأنا أبدىء في ندائهم وأعيد، والتُّرْبُ قد علا على منازلهم والصعيد، وأسأل عن الخلفاء الماضين وأنشد، ولسان الحال يجاوبني وينشد:

يا سائل الدار عن أناس

ليس لهم نحوها معاد

مرت كما مرت الليالي

أين جديس وأين عاد؟

بل أين أبو البشر آدم الذي خلقه بيده الكبير المتعال؟ أين الأنبياء من وُلْده والأرسال، أهل النبوة والرسالة، والوحي من الله ذي الجلالة؟ أين سيدهم محمد الذي فضّله عليهم ذو العزة والجلال، وجعله شفيعهم مع أمته والناس في شدائد الأهوال؟

أين القرون الماضية والأجيال؟ أين التّبابعة والأَقيال؟ أين ملوك هَمْدان؟ أين أولو الأَبْلَق الفرد أو غمدان؟ أين أولو التيجان والأكاليل؟ أين الصِّيد والبهاليل؟ بل أين النمارذة وأكبرهم نمروذ إبراهيم الخليل؟ أين الفراعنة ومَنْ هو بالسحر عليم، الذين منهم فرعونُ موسى الكليم؟ أين ملك الهَذَبَانِيّة هُدَد بن بُدد الكردي، الذي لم يكن غَدره بمفيد له ولا مُجدي، وقد أخبر الحق جل جلاله عنه أنه كان يأخذ كل سفينة غصبا؟

وزعم المؤرخون أنه كان أيضا يملأ القلوب رعبا، ويسوم أصحابه قتلا وصلبا، مع الطمع في المال وعدم النظر في عقبى المآل.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت