ـ [الحافظة] ــــــــ [01 - Apr-2009, صباحًا 07:33] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الشيخ السعدي رحمه الله في"تفسيره"عند قصة موسى عليه السلام و الخضر:
وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد، والأحكام، والقواعد، شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله.
فمنها: فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام، رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
ومنها: البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان، أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم، من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل.
ومنها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن، وطلب الراحة، كما فعل موسى.
ومنها: أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه، وأين يريده، فإنه أكمل من كتمه، فإن في إظهاره، فوائد من الاستعداد له، واتخاذ عدته، وإتيان الأمر على بصيرة، وإظهار الشوق لهذه العبادة الجليلة، كما قال موسى:"لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا"وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه حين غزا تبوك، بوجهه، مع أن عادته التورية، وذلك تبع للمصلحة.
ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى:"وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره"
ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب وجوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى:"لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا"
.ومنها: استحباب كون خادم الإنسان، ذكيا فطنا كيسا، ليتم له أمره الذي يريده.
ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله:"آتنا غداءنا"إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو، وهو جميعا.
ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله:"لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا"
والإشارة إلى السفر المجاوز، لمجمع البحرين. وأما الأول، فلم يشتك منه التعب، مع طوله، لأنه هو السفر على الحقيقة. وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم، لأنهم فقدوا الحوت حتى أووا إلى الصخرة. فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه:"آتنا غداءنا"، فحينئذ تذكر أنه نسيه، في الموضع الذي إليه منتهى قصده.
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك، كما ذكره غيره. وأما قوله في آخر القصة:"وما فعلته عن أمري"فإنه لا يدل على أنه نبي، وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى:"وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه"
"وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا"
.ومنها: أن العلم الذي يعلمه الله لعباده نوعان: علم مكتسب يدركه العبد بجهده واجتهاده، ونوع علم لدني، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله:"وعلمناه من لدنا علما"
.ومنها: التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب، لقول موسى عليه السلام:"هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا"فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا، وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذين لا يظهرون للمعلم افتقارهم إلى علمه بل يدعون أنه يتعاونون هم وإياه، بل ربما ظن أحدهم أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدا، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى تعليمه، من أنفع شيء للمتعلم.
ومنها: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه فإن موسى ـ بلا شك ـ أفضل من الخضر.
(يُتْبَعُ)