فهرس الكتاب

الصفحة 18886 من 20085

ـ [نجدية حرة] ــــــــ [14 - Sep-2010, صباحًا 09:38] ـ

النصيحة بها صَلاح الدين والدنيا؛ لأنَّه بها ينشأان ابتِداءً، وبها يُقَوَّمان إن اختَلاَّ؛ فهي عين الدين والدنيا الحارِسة؛ ولذا قال المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( الدين النصيحة ) )؛ يعني: جِماعه وأصله وفرعه.

هي العِبادة التي يَتعدَّى نفْع صاحِبها إلى غيره، وتَرجِع بالأجر عليه ما بلَغت المراد، ويعظم الأجرُ ما امتَثَل المنصوح لها وانقاد، وهي الجِهاد الأكبر الذي تقاتل فيه النفوس العواصي، وتضرب بها رؤوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرؤوس، وبها تنزل أمداد النِّعَم، كما تنزل أمداد النصر.

ولو كان مع صحَّة النصيحة سلامةُ طريقها، وعدم اغتِيالها دون وصولها إلى أذن صاحبها، لحصل مقصود الناصح في المنصوح، ولصلَحت البشرية وامتَنَع الفساد.

ولكنَّ الكلام يُظْلَم، كما تُظلَم النفوس؛ بل أشد، وكما أنه لِطُرُق الناس وأموالهم قُطَّاع، فللنصيحة قُطَّاع طريق يعتَرِضون طريقَها، ويمنَعون خيرَها، وهم العقبة الكُبرَى في تخلُّف المصالح أن تتمَّ أو تثبت، وكثيرٌ من الناس إنما يُقلِع عن زلَّتِه حياءً ألاَّ يجد مُوافِقًا إن أقام عليها، مع حبِّه لها، وتمنِّيه العودة إليها، فإن وجد مَن يُفسِد على الناصح نُصْحَه، فهذه نعمة النفس التي جاءت بلا مقدار.

وكما تَفسد بهم أموالُ الناس فتَفسد دنياهم، فكذلك تَفسد بهم النصائحُ فيَفسد بذلك دينُهم، غلبَتْهم أنفسُهم على ما يظنُّون، ولم يغلبوها على ما يستيقِنون، فتفرَّغوا خَمْشًا لوجه النصيحة، وتكلَّفوا لاستِخراج المعاني السيِّئة، تارَةً بِمُنازَعة الله فيما لا يعلَمه إلا هو؛ ممَّا يقتَضِي معرفة النيات والكشف عن دقائق المقاصد؛ كادِّعاء التنقُّص، والتهويش، والتحريض، وحب الشهرة، وخرق هيبة المنصوح، ويفتَحون أبوابًا من الصدِّ لا يُسأَل عنها أحدٌ، ولا يدلُّ عليها وسواس.

وتارةً أخرى بحمْل المتشابه من النصيحة مَحْمَل المحْكم منها، حتى تصل للمنصوح والعامَّة شوهاء سوداء مُظلِمة، تستَوحِش منها النُّفوس؛ بل ربما لو أرجع الناصح بصَرَه إلى نصيحته ونظَر إليها بعينه، لاستَنكَر نفسه، ولامَ لسانه أو قلمه لو قدَّمتُ وأخَّرت، أو قيدتُ وما أطلقت! وربما ترجَّح في فكره أن طيَّه لما قال أَوْلَى من نشره، وهؤلاء لا ينبغي الاعتِبَار بهم، ولا الانشِغال بقولهم، فهم المانعون للخير المذكورون في القرآن، والمتربِّصون بالحق، تربَّصوا بالنصائح المحمديَّة حينَما خرجتْ من النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حرصًا ألاَّ تصل كما يريد، فنَهاه الله أن يلتَفِت إليهم: ? وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ? [القلم: 10 - 13] .

ومِن أظهرِ علاماتهم التغافُل عن أهل الفُسُوق والزيغ، فكم أبطَلوا من حق، وكم أفسَدوا من صالح، وكم دبَّروا من مَكِيدة، وكم حبَسُوا من قَوافِل النصائح الصادِقة أن تسير إلى أهلها!

وقلوب البشر مَجبُولة على الرغبة والرهبة، والألسنة تابعةٌ للقلوب، كما أنَّ العيون ناطقة عن الضمائر، وفي ذلك يصبح أكثر الناصحين بين أمرَيْن:

إمَّا أن يُحجِم عن نصحه، معتذرًا إلى نفسه بالمفاسد الطارئة على نصحه، وعدم تَمام المقصود منها، فأنْ تحبس النصيحة خيرٌ له من أن تصل على وجهٍ لا يُراد.

وإمَّا أن ينصح وقلبه مُوَزَّع بين إتمام النصيحة وخلوصها، والسلامة من قُطَّاع طريقها، فيدرج في ثَنايا نصحه من الاستِثناءات ما يثقل على السامع، ومن الاحتِرازات ما لا يُحتاج إلى مثله، ومن مَدِيح المنصوح مدحًا يُعِيق السامع عن استِساغة النصيحة، ويحمله على التشكيك في نيَّة الناصح؛ لأن السامع والقارئ لا يرى ما يراه الناصح، فأينما توجَّهتِ النصيحة فلا تبلغ مرادها.

حتى أصبح الباحِثُون عن الحقِّ إلى الاختِلاف الشديد، وانتَهَى الأمر بين العامَّة من راغِبِي الإصلاح والمصلِحين إلى التلاوُم والترادُع، ولم يُعجِبهم الإجمال بالاعتِذار أنَّ الناصِح يعرِف ما لم يعرفوا، وفوق كلِّ ذي علم عليم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت