فهرس الكتاب

الصفحة 19348 من 20085

ـ [سالم السمعاني] ــــــــ [22 - Oct-2010, صباحًا 01:36] ـ

مغلوطات المال العام

ابراهيم السكران.

-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

يعيش الإنسان المسلم في هذه البلاد همومًا معيشية كثيرة، هم الإسكان ومنزل العمر الذي يتراءى لخياله صبحًا ومساءً، وهم البحث عن سرير لوالدته في أي مستشفى، وهم الطرق المكتظة حتى أواخر المساء، وهم مراجعة الدوائر الحكومية، وهم رحلة طيران ألغيت، وهم قبول لابنه في الجامعة، وهم الابن الذي تخرج ولم يجد وظيفة، وهم قريبةٍ أرملةٍ لا تجد كفايتها، وهم الأسبوع الأخير من الشهر حيث انتهى الرصيد وفي انتظار الراتب، الخ.

أخذت مرةً أتأمل هذه الهموم المعيشية التي تؤرق تفكير غالب أفراد المجتمع، وكلما تأملت في هذه المشكلات اكتشفت نفسي أصل إلى نقطة (المال العام) في إدارته وصيانته وحفظه من الفساد .. هذه الهموم المعيشية مرتبطة بشكل أساس بأداء الأجهزة الحكومية، والأجهزة الحكومية كلها شريانها النابض فيها هو (المال العام) ، فأي خلل في إدارة المال العام يؤدي فورًا إلى الخلل في كفاءة المستشفى والجامعة والإسكان والمواصلات والتعليم الخ.

وكلما وصلت لنقطة المال العام وجوهرية الدور الذي يلعبه في ضمان مصالح المسلمين أدركت شيئًا من أسرار تعظيم الشريعة والفقه الإسلامي للمال العام.

أريد هاهنا في هذه الورقة أن نناقش سويًا بعض التصورات الشائعة عن المال العام، لكنها تصورات مغلوطة للأسف، سواءً بين بعض أفراد المجتمع، أو عند كثير من الولاة والمسؤولين، أو حتى بين من يسمون أنفسهم النخبة المثقفة.

-إنما أنا قاسم:

يتصور كثير من الناس أن (المال العام) هو ملك شخصي لولي الأمر، ويرتبون على هذا التصور نتائج وتصرفات غريبة، وهذا خطأ مخالف للنص واتفاق الفقهاء، فالمال العام ملك للمسلمين جميعًا، وليس ملكًا خاصًا لولي الأمر، وقد شرح النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ في عبارة وجيزة بليغة في الحديث الصحيح الذي قال فيه -صلى الله عليه وسلم- (ما أعطيكم ولا أمنعكم، وإنما أنا قاسم، أضعه حيث أمرت) ، وأصل متن الحديث في الصحيحين من حديث جابر ومعاوية، وهذا لفظ الإمام أحمد، وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة (الله المعطي، وأنا القاسم) [البخاري، 3116] .

فإذا كان هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤكد أنه لا يملك المال العام، وإنما وظيفته القسم والتوزيع فقط، فكيف بمن يخلف رسول الله من ولاة المسلمين؟! ولذلك حين تعرض الإمام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية لهذا الحديث قال عنه في تعليق أخّاذ يكشف وجه الأولوية:

(فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله) [الفتاوى، 28/ 268]

بمعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال (إنما أنا قاسم) أراد أنه (ليس بمالك) ، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:

(وقول النبي"إني والله لا أعطى أحدًا، ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"يدل على أنه ليس بمالك للأموال) [منهاج السنة، ابن تيمية]

ولذلك لما عالج ابوالعباس ابن تيمية مسألة المنح العقارية التي يوزعها ولي الأمر على المسلمين بحسب المصلحة بيّن أن هذا ليس تبرعًا من ولي الأمر لأنه ليس ماله الشخصي، بل هذا جارٍ على مبدأ (إنما أنا قاسم) كما يقول ابن تيمية:

(وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم، ليس متبرعًا لهم) [الفتاوى، 28/ 85]

ودلالات هذا المبدأ (إنما أنا قاسم) الذي قرره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن شأنًا غامضًا لم يذكره إلا ابن تيمية، بل هذا تصور عام بين فقهاء الإسلام منذ فجر الخلافة الراشدة وانتهاءً بفقهائنا المعاصرين، وقد أشار لذلك عمربن الخطاب كثيرًا، ومن ذلك قوله رضي الله عنه:

(أما والله ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم، وما أحد منا بأحق به من أحد، وما منا أحد من المسلمين إلا وله في هذا الفيء حق، ولئن بقيت ليبلغن الراعي وهو في جبال صنعاء حقه من فيء الله) [الأموال لابن زنجويه، تحقيق فياض، ص569]

ولذلك قام الصحابي الجليل كاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- في الناس خطيبًا زمن خلافته وأكّد هذا المعنى كما يقول الراوي عطية بن قيس:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت