فهرس الكتاب

الصفحة 19349 من 20085

(خطبنا معاوية فقال: إن في بيت مالكم فضلا عن أعطيتكم، وأنا قاسم بينكم ذلك، فإنه ليس بمالنا؛ إنما هو فيء الله الذي أفاءه عليكم) [الأموال لأبي عبيد، ت رجب، ص1/ 363] .

واستمر هذا المعنى مشعًا حاضرًا في مدونات الفقه الإسلامي في العصر الوسيط، ومن ذلك قول الإمام ابن قدامة رحمه الله في موسوعته المغني لما تعرض لباب إحياء الموات: (وأما مال بيت المال، فإنما هو مملوك للمسلمين) [المغني، 6/ 184]

ويشير لذلك القرافي بعبارة أكثر حسمًا ويتحدث عن ولي الأمر إذا وقف وقفًا من المال العام ونسبه لنفسه:

(فإن وقفوا وقفًا على جهات البر والمصالح العامة ونسبوه لأنفسهم، بناء على أن المال الذي في بيت المال لهم، كما يعتقده جهلة الملوك؛ بطل الوقف، بل لا يصح إلا أن يوقفوا معتقدين أن المال للمسلمين، والوقف للمسلمين، أما إن المال لهم والوقف لهم فلا، كمن وقف مال غيره على أنه له فلا يصح الوقف فكذلك ها هنا) [الفروق للقرافي، ف 115، ص2/ 687]

وفي زمننا هذا يقول أهم مرجعية فقهية معاصرة وهوالعلامة ابن عثيمين رحمه الله:

(وغاية ما عند الحكومة أن توزع بيت المال على المستحقين، فمثلا: هذا مدرس فله ما يليق بعمله، وهذا مؤذن فله ما يليق بعمله، وهكذا، يعني ليس من الحكومة في هذا إلا التوزيع والتنظيم، أما أنت فلك حق، وكل من عمل عملًا متعديًا في المسلمين فله حق من بيت المال) [الممتع، 10/ 56]

حسنًا .. ماهي النتائج السلبية التي انبنت على هذا التصور الخاطئ؟ أعني تصور أن المال العام هو ملك شخصي خاص لولي الأمر.

انبنى على هذا التصور أن بعض ولاة الأمور توهم أن له أن يأخذ من هذا المال ماشاء، وأن يقتطع ويُقطِع من العقارات ماشاء، وأنه حين يصرف للناس من المال العام شيئًا فإنما يتفضل به عليهم، لأنه في نظره ماله الشخصي الذي كرمه الله به على أساس الولاية، وهذا خطأ مخالف لمبدأ (إنما أنا قاسم) الذي قرره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووضحه فقهاء المسلمين، وسيأتي مزيد توضيح لهذا الوهم عند بعض الولاة.

ومما انبنى على هذا التصور الخاطئ -أيضًا- أن بعض الأفراد في المجتمع المسلم صار لا يمانع من الاستيلاء على شئ من المال العام من وزارة أو مستشفى أو بلدية أومدرسة أوغيرها، والحجة التي يتذرعون بها يلخصونها في قولهم: أن هذا مال ولي الأمر، وولي الأمر لم ينصفنا، فيحق لنا أن نأخذ من ماله. فانظر كيف آل هذا التصور إلى هذه النتائج الفظيعة!

ولذلك تجد بعض الناس ممن يحمل في نفسه نقمة على الوضع السياسي تجده مندفعًا في الاستحواذ على شئ من المال العام ما أمكنه ذلك، بل لازلت أتذكر أنني قابلت وأنا فتى يافع شابًا يكبرني ببضع سنوات، فقال لي بلجة عامية (أي فلوس تقدر تاخذها من الدولة لا تتردد لأنهم ماكلينك أصلًا) وهذا ناشئ من تصور أن هذه الأموال العامة هي أموال خاصة لولي الأمر، ولذلك يريد أن يظفر بحق يرى أن ولي الأمر غبنه فيه، وهذا خطأ شنيع، فهذه الأموال العامة هي أموال المسلمين، فإن أخذت منها هللة واحدة صارت ذمتك معلقةٌ بالمسلمين جميعًا.

وقد أشار فقيه الدنيا في زمنه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى هذه الظاهرة، ووضح خطورة الأمر لأن الذمة تتعلق بالمسلمين جميعًا، حيث يقول الشيخ رحمه الله:

(خلافًا لمن قال: إن بيت المال حلال، اكذب على الدولة، اسرق من العمل، اعمل ما شئت، فليس هذا حراما، والسبب أنه بيت مال المسلمين، فنقول: بيت مال المسلمين أعظم من ملك واحد معين؛ وذلك لأن سرقته خيانة لكل مسلم، بخلاف سرقة أو خيانة رجل معين فإنه بإمكانك أن تتحلل منه وتسلم) [الممتع، 14/ 354]

بل إن بعض الناس اعتاد أن يبرر غاراته على المال العام بقوله (يارجال هذي فلوس الدولة!) واتضح لي بعد مناقشات مع هذا الصنف من الناس أنه يقصد بمفهوم"الدولة"هنا ليس المفهوم المتعارف عليه بأنها ممثل عن المجتمع المسلم، بل يقصد بمفهوم"الدولة"أشخاص الولاة أعيانهم، فالدولة في نظر هؤلاء كيان خارجي مستقل عن المجتمع يمثل أفرادًا بأعيانهم!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت