فهرس الكتاب

الصفحة 19515 من 20085

اتركوهم كلَّهم

ـ [أبو هارون الجزائري] ــــــــ [04 - Nov-2010, مساء 03:02] ـ

"المقال للشيخ عبد الحق التركماني"

في بعض ساعات الملل، وحين تميل نفسي الأمارة بالسوء إلى العبث؛ أختار التجوَّل في مواقع الانترنت، فلطالما استوقفتني (منتديات) تنتسب إلى التوحيد والسنة والسلفية، رأيت فيها العجب العجاب من الخصومات والردود والجدال بالتي هي أسوأ، ليس مع أعداء دعوة التوحيد والسنة، بل بين المنتسبين إلى المنهج السلفي أنفسهم، وفي مسائل علمية تفصيلية دقيقة، لا ينتفع من الخوض فيها إلا العلماء وخواص طلبة العلم، ومع ذلك قد نُشرت على صفحات الانترنت، يقرؤها الصغير والكبير، والبدعي والسني، والكافر والمسلم، فإن كان من أهل النية الصالحة والمقصد الشريف لم يزدد إلا حيرة واضطرابًا، وإن كان من أهل النوايا الفاسدة والمقاصد السيئة وجد فيها بغيته في الطعن في الدين والشماتة بأهل التوحيد والسنة.

وقد رأيت في منتديات الرافضة والصوفية نقولات فاضحة من تلك المنتديات السلفية على وجه السخرية والاستهزاء والشماتة! والله المستعان. ولا أستثني من تلك المنتديات ـ في حدود علمي واطلاعي، والله أعلم ـ إلا منتدى واحدًا خصصه القائمون عليه للمقالات والبحوث النافعة، وضبطوا ذلك بمنع نشر الخلافات وبث الفرقة بين السلفيين، وهذا منهج علمي سليم، دال على انضباطهم ووعيهم، جزاهم الله خيرًا.

وقد أحببت أن أذكِّر نفسي، وكلَّ من يحبُّ الخير ويقبل النصيحة من إخواننا السلفيين؛ بتلك النصيحة الغالية النفيسة التي نطق بها أحد أئمة العلم في هذا العصر عندما سُئل ـ في بداية مرحلةٍ من مراحل هذه الخصومات الشخصية المتلاحقة التي يتم تسويقها باسم العقيدة والمنهج ـ عن التصرف السليم إزاءها؛ فأجاب بكلمتين صغيرتين في المبنى، عظيمتين في المعنى: (اتركوهم كلهم) .

ذلكم هو العالم الفاضل، والشيخ الوقور، بقية السلف العلامة صالح بن فوزان الفوزان، بارك الله في عمره، ونفع بعلمه، وأدام توفيقه قدوة صالحة، ونموذجًا رائعًا للعالم الرباني، التقي النقي، الزاهد الورع، المترفع عن الخصومات الشخصية، والانتصار للذات، والانشغال بالأدنى عن الأهم والأعلى ممَّا وقَّف عليه حياته من نصرة التوحيد والسنة، ومحاربة الشرك والبدعة، والرد على أهل الإلحاد والأهواء والزيغ والضلالة.

فلو أن طلبة العلم، والدعاة إلى الله تعالى، وعامة الشباب الخائضين في هذه الفتن قبلوا نصيحته، وعملوا بمقتضاها، لقضي على كثير من الفتن في مهدها، ولوفَّروا على أنفسهم أوقاتًا نفيسة، وجهودًا كبيرة، ولسعدوا بانشراح الصدر، وسلامة القلب، وراحة البال، فإن الشيخ الجليل ـ أثابه الله ـ لم يقصد بتركهم: تجريحهم والطعن فيهم، ولا التحزُّب لفئة ضدَّ أخرى، وعدم الاستفادة منهم فيما أصابوا فيه، ونفي الولاء لعلماء ودعاة إفراد الله بالعبادة ونفيها عما سواه، بل قصد ترك الاشتغال بتلك الخلافات والفتن والخصومات الشخصية، وعدم شدِّ الوسط ـ كما يقول ابن تيمية رحمه الله ـ لأي منهم، والانصراف إلى ما ينفع من العلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة إلى أحكام شرع الله عز وجل في الاعتقاد والعبادة والمعاملة.

وقد رجعتُ إلى أوراقي القديمة فوجدتني قد هجرتُ أهل هذه الفتن ـ البتَّةَ ـ منذ سنة: 1419، وقد كنتُ استشرتُ العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، فأشار عليَّ بما هو أصلح وأسلم وأحكم، فتركتُ القومَ وخلافاتهم، وانتفعت بنصيحته أعظم الانتفاع، واشتغلتُ بما ينفعني علمًا وعملًا، وقد مضى أكثر من عشر سنوات؛ فلم أزدد إلا قناعة في أن الخير والنفع والبركة إنما هو في منهج أئمة العلم الكبار: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين ـ رحمهم الله تعالى ـ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( البركةُ مع أكابركُم ) ) [صحيح الجامع الصغير: 2884] ؛ في منهجهم في العلم، وفي الدعوة، وفي الرد على المخالف، وفي التعامل مع أهل البدع. وأن ما وقع بين السلفيين من الخلافات والخصومات إنما كان من قِبَلِ صغار تلاميذهم الذين أحاط بهم الصِّغار في التديُّن والعلم والفهم والخُلُق، فصاروا يوغرون صدورهم بما ينقلون لهم أو ينقلون عنهم، فكان مثلهم ما أنزل الله في كتابه: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت