ـ [الأحنف بن قيس] ــــــــ [26 - Jul-2010, مساء 05:34] ـ
كتبها: علي أبو هنيّة
الحمد لله حق حمده, والصلاة والسلام على نبيه وعبده, أما بعد:
فسبحان ربي كيف يصطفي من خلقه ما يشاء: من الأزمنة, والأمكنة, والأشخاص ولا يعترضه المعترضون, ?وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ?.
ومن هذه الأزمنة والأوقات العظيمة: (شهر شعبان) , الذي بين رجب ورمضان, شهر فضَّله الله بفضائل عدة, وخصَّه نبيُّنا بعبادات جليلة, وبيَّن لأمته عظم هذا الشهر, ولكن بعض المسلمين لم يكتفِ بما ورد في الشرع حتى ذهب يبتدع عباداتٍ لم يأذن بها الله, ومن ذلك ما أحدث في ليلة النصف من شعبان ويومها من بدع, وما روي فيها من أحاديث ضعيفة وموضوعة, وفيما صحَّ غنية ومقنع لطالب الحق والهدى.
وقد صرَّح جمع من أهل العلم بأنه لم يثبت في ليلة النصف من شعبان إلا حديث واحد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما ذكر ذلك: ابن القيم, والقرطبي, وأبو شامة المقدسي, وابن الجوزي -رحمهم الله-, ولا يصحُّ قول جمال الدين القاسمي إلى أنه لم يصحَّ فيها حديث.
ونصُّ الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يطلع الله -تبارك وتعالى- إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» . «السلسلة الصحيحة» (1144) .
قال الألباني عقبه: «حديث صحيح، روي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشدُّ بعضها بعضًا؛ وهم: معاذ بن جبل, وأبي ثعلبة الخشني, وعبد الله بن عمرو, وأبي موسى الأشعري, وأبي هريرة, وأبي بكر الصديق, وعوف ابن مالك, وعائشة» .
ثم ساق الشيخ هذه الأحاديث بطرقها ورواياتها ثم قال: «وجملة القول: أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب, والصحة تثبت بأقل منها عددًا ما دامت سالمة من الضعف الشديد كما هو الشأن في هذا الحديث، فما نقله الشيخ القاسمي -رحمه الله تعالى- في «إصلاح المساجد» (ص 107) عن أهل التعديل والتجريح أنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح، فليس مما ينبغي الاعتماد عليه، ولئن كان أحد منهم أطلق مثل هذا القول فإنما أوتي من قبل التسرع وعدم وسع الجهد لتتبع الطرق على هذا النحو الذي بين يديك. والله -تعالى- هو الموفق». «السلسلة الصحيحة» (3/ 138)
ثم أورد الألباني هذا الحديث في «الصحيحة» مرة أخرى برقم (1563) وبلفظ: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» .
شرح الحديث:
«يطَّلع الله» : جاء في رواية للحديث عن عائشة عند أحمد والترمذي بلفظ: «إن الله -تعالى- ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا .. » . الحديث كما في «الصحيحة» (3/ 218)
فيكون اطِّلاعه-سبحانه- وقت نزوله الإلهي في كل ليلة إلى السماء الدنيا, كما جاء في السنة المتواترة.
«مشرك» : هو الكافر بالله العظيم, وهو كل من أشرك مع الله شيئًا في ذاته، أو صفاته، أو عبادته.
ولا شك أن هذا الصنف لا تنالهم رحمة الله ومغفرته بالدرجة الأولى لبعدهم عن أسبابها, وتركهم موجباتها.
«مشاحن» : قال ابن الأثير: «المشاحن: المعادي، والشحناء: العداوة، والتشاحن: تفاعل منه، وقال الأوزاعي: أراد بالمشاحن ها هنا صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة» . «النهاية» (2/ 1111) .
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري في «شرح المشكاة» : ««إلا لمشرك» : أي كافر بأي نوع من الكفر، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. «أو» : للتنويع. «مشاحن» : أي مباغض ومعادٍ لمسلم من غير سبب ديني, من الشحناء: وهي العداوة والبغضاء. قال الأوزاعي: أراد به صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة. وقال الطيبي: لعل المراد ذم البغضة التي تقع بين المسلمين من قبل النفس الأمارة بالسوء لا للدين، فلا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه؛ لأن ذلك يؤدي إلى القتل، وربما ينتهي إلى الكفر إذ كثيرًا ما يحمل على استباحة دم العدو وماله، ومن ثم قرن المشاحن في الرواية الأخرى بقاتل النفس (1) ». «مرعاة المفاتيح» (4/ 677)
(يُتْبَعُ)