فهرس الكتاب

الصفحة 16642 من 20085

ـ [أبو محمد العمري] ــــــــ [26 - Feb-2010, مساء 09:36] ـ

منتقاة من مقالات للشيخ المحدث أبي المعاطي حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله

تحيرت، من أين أبدأ، وإلى أين سأصل، وسفينتي خرقاء، ودابتي عرجاء، والليل حالك السواد، فلن يعود أحمدُ بن حنبل، ولا تاج الدنيا، الإمامُ البخاري، ولن يُعَقِّب على مقالتي أبو الحسن الدارقطني، ليضرب على يدي ويقول: ليس هذا بعشك، فادرجي.

أخي تسأل عن التحقيق، أي تحقيق؟ وأين التحقيق؟

سل عن التلفيق، والتلزيق، والجهل، والمرض، والخيبة التي حطت على الرؤوس.

أمامي الآن، وأنا أكتب آلاف الكتب، بأغلفة جميلة، وأوراق صقيلة، وألوان كأنك في (بير حاء) داخل بستان أبي طلحة، فإذا ما اقتربت منها، وفتحت كتابا، شممتَ رائحة مقابر خيبر!!

لا تكاد تجد فيها راحلة، حتى اسم الكتاب تم تحريفه، واسم المؤلف.

وفي ليلة، غاب فيها القمر، بل مات، عاد ما يُعرف بالتحقيق الحديث،

وأقسم لك بالله العظيم، كنت جالسًا مع واحدٍ، لو ذكرتُ اسمه الآن، لرموني بالنعال المُخَصفة، وكنا نحقق كتابا، وكَوْن واحد مثلي يفعل ذلك، فهذا دليل أيضًا على شدة سواد الليل، وجاء اسم راوٍ في المخطوط، إما أن يكون: عيينة، أو عتيبة، أو غنية، فعرضت الأمر عليه، من هو؟ فقال لي بلهجته العراقية: يامْعَوَّدْ ... استنقي واحد منهم.

ومعناها ـ بالمصري، وهي لهجتنا ـ: يا أخي، اكتب أي حاجة!!

ملحوظة للأمانة؛ قد يظن البعض أن هذا المذكور هو الدكتور بشار معروف، لأن الجميع يعلم الصداقة التي بيني وبينه، ولكن للحق؛ الدكتور بشار من أتقن من رأيتُ في حياتي، ومن أجل البحث عن كلمة، كنا نقضي أيامًا في البحث.

ونعود للقمر الذي غاب، فظهرنا لنحقق الكتب في هذا الليل.

ولكن هذه الأُمة أبى الله تعالى أن يموت فيها الخير، فظهرت في القرن الأخير اتجاهاتٌ في التحقيق، برز منها على سبيل المثال: أحمد شاكر، وعبد الرحمن المعلمي اليماني، ومحمد ناصر الدين الألباني، وشعيب الأرنؤوط، وبشار عواد معروف.

وأنا هنا لا أتحدث عن هؤلاء الذين يتنافسون على ألقاب مُحَدِّث مصر، أو علامة العصر، أو حجة الإسلام، والواحد منهم يقوم بتحقيق، أو بتلفيق ملزمة، أو ملزمتين، ثم يقول صبيانه: إليكم ترجمة محدث شمال إفريقية، ثم يذكر شيئًا من هراء، وينسى شيئًا واحدًا، هو أن يكتب في آخره: صلى الله عليه وسلم، أو ... (أستغفر الله العظيم) .

بل إنني أتحدث عن الذين خدموا، وعملوا، وأخرجوا للناس ما كان ضائعا، وأصابوا، وأخطؤوا، وأصبح طالب العلم يشعر بالبُشرى، قبل أن يفتح كتابا على غلافه اسم واحد منهم.

ومن النكت الظراف: أن الشيخ أحمد شاكر كان يكتب في مقدمة كتبه: وكتب أحمد شاكر ـ بزيادة الواو على (كتب) ـ فظن الصبيان، والمحدثون الجدد، أن السِّرَّ في هذا الحرف، فاهتموا به، واقرأ أي مقدمة في هذا الظلام المظلم، سترى كل واحد منهم يكتب: وكتب أبو ... ، بمدينة ... ، بعد التراويح.

والأمر في التحقيق على النحو التالي:

دراسة المخطوطة قبل تحقيقها.

لأن هذه الدراسة سيترتب عليها أمور دقيقة جدًّا، لأن الذي يقوم بالتحقيق هذه الأيام، كما ذكرتُ، تحت جنح الليل وجناحه، يجد ورقات، كتبت بخط قديم، فيقوم بالتحقيق، ويقول: في الأصل كذا، مع أن الذي في يده ورقات ليس لها أصل، ولا نَسَب، ويجب أن يبدأ التحقيق بما يلي:

ـ هل هذه المخطوطة بخط المؤلف؟.

ـ هل هي بخط أحد تلاميذه، وثبتت مقابلة المؤلف عليها؟.

ـ هل كتبت في عصر المؤلف؟

ـ أم وجدوها بعد ذلك، منسوخةً عن أصول سبقت؟

وكل درجة من هذه لها أسلوب في التحقيق يختلف عن الآخر.

1ـ إذا كانت بخط المؤلف، كما هو الحال في بعض أجزاء (( تهذيب الكمال ) )، وقد رأيت الدكتور بشار وهو يحققه، لدرجة أنه كان يستشير واحدا مثلي، مع قلة حيلتي، وضعف حالي، فهنا؛ لا يحل للمحقق، مهما كانت درجته أن يغير حرفا، ولو كان خطأً بَيِّنًا، بل عليه إثبات ما جاء في الأصل، ثم يكتب تعليقه في الحاشية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت