ـ [ابن مفلح] ــــــــ [14 - Aug-2009, مساء 05:26] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد مرّت بي كما مرّت بغيري حالات لأناس عرفناهم وعاشرناهم وطلبوا معنا أو علينا بعضًا من العلم لمدة طالت أو قصرت ثم رأيناهم بعد ذلك قد انتكسوا -عياذًا بالله- وانحرفوا ليس عن طلب العلم فحسب بل عن التدين بعامة، وحسب بعضهم أن يصلي الصلوات الخمس ولو في غير وقتها -ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم-.
حُدثتُ عن بعضهم أنه صار في أحوال متردية؛ معاقرة للخمور، ومجالسة لأهل اللهو والفجور، وتقحمًا لفظائع الأمور، وتسكعًا مع البنات، على النواصي والطرقات، وكثيرًا ما يتصلن عليه في بيت أبيه وأمه.
وآخر صار يتعامل بالربا، أويسرق أموال الناس ويأكلها بالباطل.
وثالث كان محاميًّا وترك مهنته لما رأى فيها من شبهات، ثم هاهو الآن قد عاد إلى مهنته الأولى وصار يأخذ القضايا التي كان بالأمس يعدها من التحاكم إلى غير الله تعالى.
هذا بعض من نماذج كثيرة عرفناها أو سمعنا عنها ممن انحرف إلى جانب الشهوات.
ولا تسل عمن انحرف إلى جانب الشبهات فصار من المبتدعة بعد أن كان سنيًّا على الجادة، بل بعضهم قد صار إلى الزندقة والإلحاد أو الليبرالية والحداثة وأغرق في العناد -نسأل الله السلامة والعافية-.
ألا وإن لهذه الانحرافات أسبابًا كثيرة تستدعي بسطًا لتحذر، كما يتعين معرفة أسباب الثبات ودوام الاستقامة ليعَض عليها المرء بنواجذه -مستعينًا يالله تعالى معتصمًا به-"ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم".
غير أنني في هذه المقالة أود أن أنبه على أمر أُراه سببًا لانحرافات كثيرة؛ ألا وهو هذه الثنائية المقيتة التي أفرزتها بعض مناهج الدعوة، و ساهمت في ترسيخها بعضُ الطروحات، وصاحَب ذلك حماسٌ وسوءُ فهم وضيقُ عطن من جمهرة من المتلقين.
هذه الثنائية مفادها:"أن المرء إما أن يكون طالب علم ثم عالمًا، وإما أنه غير ملتزم بل هو من أهل الدنيا الملعونة الملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا".
وقد أفرز هذا الطرح الغالي زهدًا في سائر أبواب الخير التي يمكن أن يُخدم الدين من خلالها.
بل إنه أورث لدى بعضٍ تزهيدًا في أعظم ثمار العلم وهو الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أن ذا لا يكون إلا بعد التحصيل والتمكن، وأن مخالطة الناس لدعوتهم وتغيير ما فشا فيهم من منكرات مضيعة للأوقات.
مما أخرج أناسًا إن خاطبوا الجماهير خاطبوهم من أبراج عاجية غير مكترثين بمشاعرهم ولا مستشعرين لقضاياهم ومشكلاتهم.
والمقصود -يا محب- أنه وفقًا لسنة الله الكونية التي لا تتغير ولا تتبدل لم يفلح كثير ممن سلك طريق التدين في طلب العلم إما لضيق ذات اليد وإما لعدم الاستعداد الذهني وإما لعوائق اجتماعية أو أمنية أو غير ذلك، ومهما يكن من شيء فكل ميسر لما خلق له.
وقد انحرف منهم جم غفير كما سبق.
وكان من المفترض على أهل العلم والناصحين أن يتفطنوا في مواهب هؤلاء فيوجهونهم إلى ما يحسنون لتنتفع الأمة بجهودهم ويسدوا ما يحسنون من ثغور.
وكم سئلت وسئل غيري من بعض طلبة الطب أو الصيدلة أو الهندسة فضلًا عمن دونها من المجالات الدراسية عن منهج علمي شرعي يدرسونه، وبعضهم كان يريد ترك كليته ليتفرغ لطلب العلم!
بل بعضهم قد تخرج بالفعل ومارس وظيفته ثم لما سمع عن فضل العلم تحمس وأراد ترك وظيفته ليتفرغ للتحصيل -زعم-.
وفي هذا من الفساد ما لايخفى على لبيب.
فقد خلت هذه المجالات وأخواتها من المتدينين، وصرت لا ترى عامة المتدينين إلا في المسجد للصلاة أو على بابه لبيع السواك والعطور والأشرطة الدينية ونحوها.
فلم يعد لشباب الصحوة تأثير في المجتمع ولا هم يوجدون في مواقع التأثير والتغيير.
وصار حالهم كما قال الأول:
ويُقضَى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يُستأمرون وهم شهود
وقد كنت أوجه بعضهم إلى ما أراه نافعًا له، إذ كان يظهر لي من حاله عدم تأهله لمجال الطلب.
ولا ريب أن هذا محض النصيحة الواجبة ولو أغضب ذلك المنصوح أو غيره.
(يُتْبَعُ)