فهرس الكتاب

الصفحة 14693 من 20085

يُذكر عن العلامة النابغة الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى أن رجلًا جاءه ليتعلم العروض، ورأى الخليل -لنباهته وفطنته وبعد نظره- أن الرجل لا يصلح لتعلم هذا الفن، فأعطاه بيتًا ليقطعه، وهو:

إذا لم تستطع شيئًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع

وكان الرجل فطنًا كذلك، ففهم المقصود، واتجه إلى علم النحو فنبغ فيه.

إننا بحاجة إلى مربٍّ فطن يحسن توجيه المواهب فيما تحسنه وتوظيفها فيما يعود بالنفع على صاحبها وعلى أمته كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فيوظف مواهب أصحابه فيما يحسنونه.

ألا ترى -وُفِّقتَ- أن زيد بن ثابت رضي الله عنه -وكان فتى موهوبًا نابغًا - قد أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بموهبته فأمره أن يتعلم السريانية فتعلمها، وحذقها في سبعة عشر يومًا أو خمسة عشر يومًا، على اختلاف الروايات.

خرج أحمد والترمذي وغيرهما من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال"أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كلمات كتاب يهود. قال «إنى والله ما آمن يهود على كتاب» . قال فما مر بى نصف شهر حتى تعلمته له قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

أليس في نحو هذا يقول بعض أغرار شبابنا: إن هذا مضيعة للوقت؟! وهذا الوقت الذي أقضيه في تعلم اللغة، الأولى بي قضاؤه في قراءة القرآن، فقراءة القرآن أفضل، أو في حفظ حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- أوغير ذلك.

لكن هذا باب خير ومجال لابد أن يسلك وثغر لابد أن يسد في هذه الأمة، فتصدى زيد رضي الله عنه لهذه المهمة.

والنبي صلى الله عليه وسلمقد أعطانا درسًا في هذه القضية، حاصله: أن كل ميدان من ميادين الخير لابد أن يكون في الأمة من يتولاه، نعم؛ ربما يكون مفضولًا في العموم، لكنه بالنسبة للشخص المعين قد يكون أفضل له من غيره.

إن مسألة تفاضل الأعمال وما يقال فيها بل وما دلت عليه الأدلة فيها إنما هي في الجملة من حيث العموم والإطلاق، أما من حيث الشخص المعين أو الزمان المعين أو المكان المعين فقد يصير المفضول أفضل.

لذا قرر أهل العلم أنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"والتنوع قد يكون في الوجوب تارة وفي الاستحباب أخرى."

فالأول؛ مثل ما يجب على قوم الجهاد، وعلى قوم الزكاة، وعلى قوم تعليم العلم، وهذا يقع في فروض الأعيان وفي فروض الكفايات.

ففروض الأعيان؛ مثل ما يجب على كل رجل إقامة الجماعة والجمعة في مكانه مع أهل بقعته، ويجب عليه زكاة نوع ماله بصرفه إلى مستحقه لجيران ماله، ويجب عليه استقبال الكعبة من ناحيته والحج إلى بيت الله من طريقه، ويجب عليه بر والديه وصلته ذوي رحمه والإحسان إلى جيرانه وأصحابه ومماليكه ورعيته ونحو ذلك من الأمور التي تتنوع فيها أعيان الوجوب وإن اشتركت الأمة في جنس الوجوب، وتارة تتنوع بالقدرة والعجز، كتنوع صلاة المقيم والمسافر والصحيح والمريض والآمن والخائف.

وفروض الكفايات تتنوع تنوع فروض الأعيان، ولها تنوع يخصها؛ وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره، فقد تتعين في وقت ومكان وعلى شخص أو طائفة، وفي وقت آخر أو مكان آخر على شخص آخر أو طائفة أخرى، كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهاد والفتيا والقضاء وغير ذلك.

وأما في الاستحباب فهو أبلغ؛ فإن كل تنوع يقع في الوجوب فإنه يقع مثله في المستحب، ويزداد المستحب بأن كل شخص إنما يستحب له من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى التي يقول الله فيها: {وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} ما يقدر عليه ويفعله وينتفع به، والأفضل له من الأعمال ما كان أنفع له، وهذا يتنوع تنوعا عظيما، فأكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ليس هو الأفضل مطلقا؛ إذ أكثرهم لا يقدرون على الأفضل، ولا يصبرون عليه إذا قدروا عليه، وقد لا ينتفعون به، بل قد يتضررون إذا طلبوه مثل من لا يمكنه فهم العلم الدقيق إذا طلب ذلك فإنه قد يفسد عقله ودينه، أو من لا يمكنه الصبر على مرارة الفقر ولا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى، أو لا يقدر على دفع فتنة الولاية عن نفسه والصبر على حقوقها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت