ـ [فريد المرادي] ــــــــ [04 - Aug-2007, مساء 08:58] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الكشميري في ''فيض الباري'' (1/ 53 - 54) :
(( الإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياء: اعتقاد و قول و عمل. و قد مرَّ الكلام ـ يعني في كتابه ـ على الأوَّلين، أي: التصديق و الإقرار، بقي العمل: هل هو جزء للإيمان أم لا؟
فالمذاهب فيه أربعة، قال الخوارج و المعتزلة: إنَّ الأعمال أجزاء للإيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما، ثم اختلفوا: فالخوارج أخرجوه عن الإيمان، و أدخلوه في الكفر، و المعتزلة لم يُدخلوه في الكفر، بل قالوا: بالمنزلة بين المنزلتين.
و الثالث: مذهب المرجئة، فقالوا: لا حاجة إلى العمل، و مدار النجاة هو التصديق فقط، فصار الأوَّلون و المرجئة على طرفي نقيض.
و الرابع: مذهب أهل السنة و الجماعة، و هم بينَ بينَ، فقالوا: إنَّ الأعمال أيضًا لا بدَّ منها، لكن تاركها مُفسَّقٌ لا مُكفَّرٌ، فلم يُشدِّدوا فيها كالخوارج و المعتزلة، و لم يُهوِّنوا أمرها كالمرجئة.
ثمَّ هؤلاء ـ أي أهل السنة و الجماعة ـ افترقوا فرقتين، فأكثر المحدِّثين إلى أنَّ الإيمان مركَّب من الأعمال، و إمامنا الأعظم ـ رحمه الله تعالى ـ و أكثر الفقهاء و المتكلِّمين إلى أنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان، مع اتفاقهم جميعًا على أنَّ فاقد التصديق كافر، و فاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلاَّ في التعبير، فإنَّ السلف و إن جعلوا الأعمال أجزاء، لكن لا بحيث ينعدِم الكلُّ بانعدامها، بل يبقى الإيمان مع انتفائها.
و إمامنا أبو حنيفة و إن لم يجعل الأعمال جزءًا، لكنَّه اهتم بها، و حرَّض عليها، و جعلها أسبابًا ساريةً في نماء الإيمان، فلم يُهدرها هدر المرجئة، إلاَّ أنَّ تعبير المحدِّثين القائلين بجزئية الأعمال، لمَّا كان أبعد من المرجئة المنكرين جزئيَّة الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم ـ رحمه الله تعالى ـ فإنَّه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال؛ رُمي الحنفية بالإرجاء، و هذا كما ترى جورٌ علينا، و الله المستعان.
و لو كان الاشتراك مع المرجئة بوجهٍ من الوجوه التعبيرية كافيًا لنسبة الإرجاء إلينا، لزم نسبة الاعتزال إليهم، أي إلى المحدِّثين، فإنهم، أي المعتزلة، قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدِّثين، و لكن حاشاهم من الاعتزال، و عفا الله عمن تعصَّب و نسب إلينا الإرجاء، فإنَّ الدين كلَّه نصح، لا مراماة و منابزة بالألقاب، و لا حول و لا قوة إلا بالله العي العظيم )) اهـ.
قال المرادي ـ عفا الله عنه ـ: في هذا الكلام مخالفات كثيرة، أنبِّه على بعضها بكلمات يسيرة، فأقول:
(1) جعل الكشميري ـ غفر الله له ـ مذهب أهل السنة و الجماعة في الإيمان على قولين؛ قول السلف و أهل الحديث، و قول الأحناف ـ أي مرجئة الفقهاء ـ.
وفي هذا نظر، فالسلف قد أجمعوا على أنَّ الإيمان قول و عمل، و خلاف الأحناف في هذه المسألة لا يُعتد به أمام إجماع السلف، فهم في هذا الباب مخالفون لأهل السنة و الجماعة.
نعم، هم من أهل السنة في غير مسائل الإيمان.
(2) جعله الخلاف بين السلف و الأحناف من باب اختلاف التعبير ليس إلاَّ، و هذا غلط ظاهر، كما بيَّن ذلك أهل العلم.
قال سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ رحمه الله ـ في تعليقه على ''العقيدة الطحاوية'' (ص20 ـ ط. دار الوطن) :
(( و ليس الخلاف بينهم و بين أهل السنة فيه لفظيًا، بل هو لفظي و معنوي، و يترتَّب عليه أحكام كثيرة يعلمها من تدبَّر كلام أهل السنة و كلام المرجئة، و الله المستعان ) ).
و قال معالي الشيخ العلاَّمة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ـ حفظه الله ـ:
(( هل الخلاف بين أهل السنة و مرجئة الفقهاء في تعريف الإيمان صوري أو معنوي حقيقي؟ هذه المسألة لها جهتان:
الأولى: جهة الحكم.
الثانية: جهة امتثال الأوامر: العلمية و العملية.
من جهة الحكم، يعني مرتكب الكبيرة، مرجئة الفقهاء لا يكفرونه و لا يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، فهم من جهة الحكم كأهل السنة. قال ابن تيمية: أكثر الخلاف الذي بين أهل السنة في مسألة الإيمان لفظي، و هذا نستفيد منه فائدتين:
(يُتْبَعُ)