فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دستورُ محمَّدٍ
ـ [ابن رجب] ــــــــ [23 - Feb-2008, صباحًا 10:13] ـ
[] دستورُ محمَّدٍ []
[] دُستورُ مُحمَّدٍ []
التاريخُ أعلاه ليوم جُمعةٍ، صليتُ الجُمعة في أحد مساجد الرياضِ، في شارعٍ كوالالموري *، قرأ الإمام في ركعتِه الأولى بعد فاتحة الخيرِ {محمدٌ رسول الله و الذين معه أشداءُ على الكفارِ رُحماء بينهم} بصوتٍ شَجيٍ جميلٍ، لم تدع هذه الآيةُ حالي معَ صلاتي حتى سَبَتني أسيرًا في تأملاتٍ في أسرارها المكنونة فيها، فحقًَّا خواطرُ العقلِ عند الغفلاتِ جواهر نفيسات، و العاقلُ مَن ابتدرَ فقيَّدَ.
الآية بيَّنتْ منهجًا محمديًا تُجاه فئتين من الناس، يُعايشهما النبيُّ و أتباعه، و لكلِّ فئةٍ أسلوبًا خاصًا في التعامُلِ، كان منثورًا في أقوال النبي العظيم صلى الله عليه و سلم، و مُصدَّقٌ بأفعالِه في حياته التعامُلية، و أتباعه السالكين منهجَه كذلك، و ما الخللُ إلا في دَعِيِّ النسبةِ أو عَيِيِّ الفِطنة، و الأصلُ برئ من تَبِعةِ الفرعِ.
الفئةُ المخالِفةُ لما عليه النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه و سلم، سُمُّوا في الآية بالكُفَّارِ، و هم النائون عن الدين، الغاربون عنه، و الخارجون منه، و الذين لا يمتُّونَ إليه بِصِلَةٍ أبدًا، و لم تذكر أنهم جملةُ المخالفين فيكون داخلًا فيها المخالفُ في الأصول و الفروع و ليس من منهجية النبي محمدٍ صلى الله عليه و سلم أن يُحدِثَ مع المخالفِ في فروعياتِ دينه شِدةً في التعامل، فالمخالفاتُ تحدثُ، و لا يُؤْبَه إلا بالكبارِ العِظام.
رسمتْ منهجَ التعامُلِ معهم على أنَّه يجبُ أن يكون شديدًا، دستورٌ قويم، تقوم به كلُّ الديانات بلا استثناء، أن المخالفَ لها في الأصولِ، الكافرَ بها، المحاربَ لها يُعامَلُ بالشدة، لأجل ذلك كانت الحروبُ، إلا أن الشدَّةَ ليست على وتيرةٍ واحدةٍ، و ليست على نَسَقٍ واحدٍ، فيختلفُ تطبيقها من حال إلى حال، و مع شخصٍ دون غيرِه، و على حَسْبِ حالِ المُتَعامِلِ بها، و لو استعرضنا صُورَ الشدة المحمدية في تعاملاته مع الكفار، الكفارِ و ليس غيرَهم، لرأينا ذاك التبايُن، فكانتْ شِدةً في القبضِ و الأَسْرِ فلا يقبلُ شريفٌ أن يُقْبَضَ و يكون أسيرًا فإنَّ وقْعَ ذاك شديدٌ على قلبه، و خاصةً إن كان وجيهَ قومٍ، حيثُ يظنُّ أن شدةَ محمدٍ في أسْرِهِ تستمرُّ حتى آخرَ لحظاتٍ يقفُ عندها مَدُّ تلك الشدة من محمدٍ صلى الله عليه و سلم، فكان الشدَّةُ في نظرِ الأسيرِ ليس إلا، فيُؤتى به فيجدُ لينا و كرمًا في جوفِ تلك الشدةِ، فما كان دستورُ محمدٍ الشدةُ في كلِّ أحوال التعاملِ مع الشخصِ الواحدِ الكافرِ، فشدةٌ مُحدَّدة التعامل.
من شدته منْعُ التعامُلِ مع الكافرِ، و ليس على الإطلاقِ دون قيدٍ، بل ضمَّن الحكمَ استثناءاتٍ كثيرة، لضرورة الحياةِ في التعايُشِ مع الكافرِ، و تحجيرُ التعامُلِ معه في كلِّ الأحوال لا يستقيم و كمال عقلِ محمدٍ العظيم صلى الله عليه و سلم، و قد تعامَلَ بالحُسنى فنال المُنى.
و قد تكون شدَّتُه لِيْنُه، فإكرامُ المخطئِ زيادةٌ في تعذيبِه، و اقتلْه و لا تُغرقه في كرمك، خبرُ أبي سفيان في أَمَنَةِ دارِه، فكانت لِيْنًا و في حقيقتها شدةٌ أقوى من ضربة سيفٍ.
رَحمة محمدٍ صلى الله عليه و سلم بينه و بين أتباعه، فسمَّى أتباعًا و في الشدةِ كُفارًا، فمن الأتباعِ مَن خالفَ و هو تابعٌ في الأصولِ، فدستورُه معه تمام الرحمةِ، و رحمته من رحمةِ ربه، و رحمةُ ربِّه شملت كلَّ شيءٍ، و رحمةُ محمدٍ حوَتْ أسرار معاني الرحمة و لا يفقه سِرَّ رحمتِه إلا من عرفَ جوهرَ محمدٍ لا ظِلَّه، و الواقفُ على صورته دون معرفةٍ بحقيقته واقفٌ على تصحيفٍ و تحريفٍ في الرحمة، و أقصد المعنى لا المبنى.
يبتسمُ في وجه الغضوب، فيرحمه باستخراجِ جُرعة الغضبِ، فتهدأ النفسُ و يُؤتى المطلَبَ، يُستأذنُ في الزنى فيُحَوِّل الكلامَ إلى توجيه الغريزةِ لا إلى هدمها، فرحِمَ وجودها و ثورانها، و غيرُه يمنحُ لقبَ الفسقِ دون مفَسِّقٍ، يُجَرُّ ثَوبُه فيُحدثُ أذىً في رقبته فتبدو أسنانُ الجمالِ بابتسامةِ الجلالِ و يَرْحم محتاجًا فيهبَه ما يريد، فكان رحةً تمشي بكمالها و جمالها و جلالها.
يُخالفه أصحابه في رأيه، و هو رأيٌ فرعيٌ لا أصلي، فيرجع ليجبرَ الخاطرَ و يجمع الكلمة، و ترى أتباعًا يُقيم القضية في الدنيا بحروفٍ مسطورةٍ لا تنتهي إليها أبعادُ الأنظارِ ليُظهرَ (أناه) بثوبِ دينه، و يتخذُ طرائقَ السبِّ و الشتمِ لاختلافِ المظاهرِ و لا يقيم للمخابرِ وزنًا، حسْبُ علمهم الذي بلغوه أنه صورة.
و قد يكون لِينُه و رحمته في شدته، فيقسوَ على حبيبٍ لخطأٍ لئلا يُعاوِد الوقوع فيه، فشدته تحتضنُ رحمتَه، إبداعٌ في تعامُلِه، و رُقيٌ في خُلُقِه، صلى الله عليه و سلم.
لم يقف إمام الجُمعةِ عند هذا بل شرعَ في الثانية بقراءة {إذا جاءَ نصرُ الله و الفتح} فبدأت جولةً أخرى، حيثُ لا يأتي النصرُ إلا بعد أن يُقام دستور الرحمة و الشدةِ على أصوله المحمدية، لأنَّه في حقيقته رحمه تامةٌ كاملة، و في تخلُّفِ أسرارِ ذلك تخلُّفُ النصرِ و الفتْح، و الفتحُ و النصرُ باطنان و ظاهران، فكانت الآية الأولى دستورًا و نظامًا و الثانية نتيجة و ثمرة.
عبد الله العُتَيِّق
* نسبةً إلى اسم الشارع الذي عليه المسجد.
غائصٌ في بحرٍ عميقٍ .. أُدرِكُ .. و لا أُفْهَم
عبدُ اللهِ العُتَيِّق
"نَفْسٌ تُضيءُ ... و هِمَّةٌ تَتَوَقَّدُ ..."
منقول ..