ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [13 - May-2008, مساء 06:11] ـ
المنهج القرآني في التعامل مع أخطاء المجاهدين
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الفتن العظيمة التي تموج اليوم في واقعنا المعاصر لتفرض على المسلم أن يكون حذرًا يقظًا متأنيًا في أقواله وأفعاله ومواقفه سائلًا ربه عز وجل الهداية للحق والثبات عليه. ومن أسباب الهداية للحق البصيرة في الدين وتدبر كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والاستضاءة بهما في خضم هذه الفتن التي تموج كموج البحر.
ومن هذه الفتن التي ظهرت في الآونة الأخيرة تلك المواقف المتباينة إزاء أخطاء بعض المجاهدين في الثغور ما بين مبرر لها ومدافع عنها وكأنه يدعي العصمة للمجاهدين، وما بين مواقف مستعجلة من بعض الدعاة إزاء هذه الأخطاء لم يراعوا فيها التثبت أو لم يراعوا فيها مآلات أقوالهم وما يترتب عليها من المفاسد ودون انتباه لما يقوم به العدو المتربص من كافر ومنافق من توظيف لأقوالهم هذه في تبرير ضربهم للمجاهدين أو الشماتة بهم.
ولذا يتعين على كل من أراد لنفسه السلامة من الزلل والسقوط في الفتن أن يترسم القرآن الكريم ويتدبره ويجعله منطلق مواقفه كلها.
ولقد وقفت في كتاب الله عز وجل على آيات كريمة عظيمه ترسم لنا المنهج الحق العدل في التعامل مع أخطاء المجاهدين ووضعها في حجمها الطبيعي دون أن يوظفها العدو في صالحه وهذه الآيات هي قوله عز وجل:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ] 217 - 218 سورة البقرة [.
*اقصد بالمجاهدين هنا أولائك الذين قاموا بأداء فريضة العين وذلك بجهاد الدفع عن بلاد المسلمين التي غزاها الكفرة واحتلوها كما هو الحال في أفغانستان والعراق والشيشان وفلسطين.
وقبل أن نقف عند الدروس من هذه الآية وما فيها من منهج حاسم في التعامل مع أخطاء المجاهدين وأعداء المجاهدين يحسن بنا أن نقف على سبب نزول هذه الآيات كما جاءت في كتب التفسير.
قد جاء في روايات متعددة أنها نزلت في سرية عبدالله بن جحش-رضي الله عنه-وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم احد من الأنصار ومعه كتاب مغلق وأمره ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين. فلما فتحه وجد به: (( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بطن نخله-بين مكة والطائف- ترصد لنا قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم .. ولا تكرهن أحدًا على السير معك من أصحابك ) )- وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى. فلما نظر عبدا لله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة. ثم قال لأصحابه قد أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منها بخبر. وقد نهى أن استكره أحدًا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع، فأنا ماض لأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف أحد منهم: فسلك الطريق على الحجاز حتى إذا كان ببعض الطريق ظل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان -رضي الله عنهما- فتخلفا عن رهط عبد الله بن جحش ليبحثا عن البعير ومضى الستة الباقون. حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون، فقتلت السرية عمرًا ابن الحضرمي وأسرت أثنين وفر الرابع وغنمت العير. وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة. فإذا هي في اليوم الأول من رجب -وقد دخلت الأشهر الحرم- التي تعظمها العرب. وقد
(يُتْبَعُ)