فهرس الكتاب

الصفحة 7639 من 20085

ـ [الشريف ابن الوزير اليماني] ــــــــ [13 - Aug-2008, مساء 10:20] ـ

الحمد لله رب العالمين, و صلى الله على رسول الله و آله و سلم

التجديد بين الرفض والقبول

** يجري الحديث اليوم بإلحاح عن تجديد الخطاب الديني، وحاجة الأمة إلى بسط خطاب الدين بشكل يواكب العصر ويستجيب للتحولات التي فرضها عصر العولمة، كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟ هل تؤمنون بضرورة تجديد الخطاب الديني؟ أم تعتبرون القضية مجرد تبرير وتأصيل للقيم الوافدة باسم تجديد الخطاب الديني؟.

-بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قبل الحديث عن التجديد المشروع والتجديد الممنوع، والتعريج على مغازي إثارة هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات، لا بد أولا أن نحدد المقصود بهذا الخطاب الذي يراد تجديده؛ لأن التعميم آفة الدعاوى، ومزلة الأقدام، ومظنة اللبس، والتخصيص والتمييز والتحديد أمارات الصدق والدقة وحسن البيان.

فتحديد المصطلحات بدقة، وتجلية معانيها هو الذي يمكِّن من اتخاذ الموقف الشرعي الصحيح منها, فالحكم فرع عن التصور، والتصور لابد أن يكون دقيقا، فعن أي خطاب ديني نتحدث؟ وأي تجديد يراد؟.

فإن كان المقصود بهذا الخطاب حقيقة الدين المتمثلة في الوحي المقدس، من نصوص صحيحة لا تحتمل التأويل, ومعلوم من الدين بالضرورة, وثوابت مطلقة, ومواضع أجمعت عليها الأمة, فمثل هذا الخطاب لا تجديد فيه ولا مراجعة، ولا تغيير ولا إصلاح, فهو خطاب إلهي, من الحكيم الخبير، المطلع على أحوال العباد, العليم بما يصلح معاشهم ومعادهم، بل هو الدين والرسالة المحمدية التي تتجاوز كل زمان ومكان, وليس لنا من موقف إزاءه سوى تمام التسليم والانقياد (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) .

** وماذا عن الجانب النسبي في الدين والذي يعتبر محل اجتهاد؟

-إن قصد بهذا الخطاب اجتهادات العلماء وتنزيلاتهم وترجيحاتهم في مواطن الخلاف, وفتاواهم المبنية على الأعراف السائدة والأوصاف المتغيرة الدائرة مع العلل وجودا وعدما, وإلحاقاتهم للفروع والنوازل الحادثة بالأحكام الأصلية، وصيغهم وأساليبهم في البلاغ والبيان، فهذا خطاب بشري قابل للمراجعة والنقد في الصيغة والمضمون, بضوابط علمية, وممن له الحق في ذلك؛ لأنه خطاب نسبي قابل للصواب والخطأ والتبديل والتغيير، بخلاف الأول فهو خطاب مطلق قطعي.

ولذلك فإذا كان الحديث عن التجديد هو حديث عن هذا الخطاب النسبي فلا ضير في نقده أو مراجعته.

** كل الذين تناولوا قضية تجديد الخطاب الديني جعلوا حديث تجديد أمر الدين على رأس كل سنة دليلهم ومستندهم، كيف تقرأ هذا الحديث؟

-هذا الحديث العظيم يدل على أن الله تعالى من رحمته بهذه الأمة، أنها كلما ابتعدت عن الهدي النبوي, وحادت عن السنن الربانية, وتلفعت بمرط الجاهلية, وكلما تخلت عن دورها القيادي الذي هيئت له، ومنحت من وسائل الدعم ما يكفل لها القيام بذلك، وكلما تعطلت آلة الإنتاج الفكري عندها، وغلب عليها الجمود والتقليد، والعصبية والحزبية, وكلما تعرضت هويتها للذوبان, وأصولها وجذورها للعدوان, إلا وهيأ الله لها من نذر نفسه لحمل همها, وثقل أمانتها، مضحيا بكل غال ونفيس، راكبا كل صعب وذلول، يبتعث ما مات من قيمها, ويجدد ما اندرس من دينها, ويقوم ما اعوج من مسارها, ويردها إلى وسطيتها, غير آبه بخذلان الخاذلين, ولا تثبيط المثبطين.

ومهما اختلفت عبارات العلماء في بيان معنى التجديد في الحديث، فمن قائل: إماتة ما ظهر من البدع والمحدثات, وقائل: نشر العدل, وقائل: فتح البلاد والأمصار، وقائل: تعليم الناس السنن، ونفي الكذب عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، وقائل: إظهار كل سنَّة وإماتة كل بدعة، وقائل: إظهار السنة وإخفاء البدعة، وقائل: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع المحدثات، وقائل: تبيين السنَّة من البدعة، وتكثير العلم وإعزاز أهله، وقمع البدعة وكسر أهلها، وقائل: إحياء السنن ونشرها ونصرها، وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوها وكسر أهلها باللسان، أو تصنيف الكتب والتدريس.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت