ـ [آل عامر] ــــــــ [11 - Jun-2007, مساء 01:16] ـ
تأتي الإجازة كل عام بعد انقضاء العام الدراسي ونهاية أوقات الاختبارات. والمنتسبون للتعليم من مدرسين وطلاب يتطلعون لهذه الإجازة ويرقبون مجيئها بكل تلهف، لأنهم يرون أنهم بحاجة إلى ما يزيل عنهم عناء التعب والإرهاق طوال العام الدراسي، ثم خاتمة ذلك أيام الاختبارات. ولهذا تجد الناس يرتبون أمورهم لقضاء هذه الإجازة، وقد اتخذوا أنماطًا متعددة من السلوك وتحقيق الرغبات والسعي فيما يُقضى فيه هذا الفراغ، وصارت هذه الترتيبات تتنوع ويزداد تنوعها شيئًا فشيئاَ من عام لآخر.
ولا ريب أن الفراغ نعمة من الله تعالى على عباده، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ) [1] .
والفراغ لا يبقى فراغًا أبدًا،بل لابد له أن يُملأ بخير أو بشر، ومن لم يُشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، وقد تنقلب نعمة الفراغ نقمة على صاحبها إذا لم يحسن الاستفادة من فراغه، ويشتد خطر الفراغ إذا اجتمع معه شباب يتميز بقوة الغريزة، وجِدَةٌ: وهي القدرة المالية التي تمكن الإنسان من تحصيل ما يشتهي.
ومن هنا اهتم المربون والخطباء - ولا سيما في زماننا هذا - في موضوع إجازة العام الدراسي، وراحوا يصفون للناس أفضل السبل وأنفع الطرق لقضاء هذه الإجازة، حتى تتم الاستفادة منها، وقد رأيت أن أساهم في ذلك بالوقفات التالية:
الوقفة الأولى: مع قيمة الوقت:
إن الوقت - وهو الزمن الذي يعيشه الإنسان - نعمة عظيمة ومنحة كبرى. ذكرها الله تعالى في مواضع من كتابه، ممتنًا بها على عباده، ليستفيدوا منها، قال تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) ) (الفرقان:62) .
أي: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، توقيتًا لعبادة عباده له، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل [2] .
وقد تقدم حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) )وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا: (( اغتنم خمسًا قبل خمس - ومنها- فراغك قبل شغلك ) ) [3] .
إن هذه النصوص تدل بوضوح على عظم هذه النعمة - نعمة الزمن وهو الليل والنهار، ساعات العمر ولحظاته التي يعيشها الإنسان مدة حياته.ولكن هذه النعمة لا يدرك قدرها ويستفيد منها إلا الموفقون من عباد الله الصالحين، الذين يعرفون قيمة العمر وثمن الحياة، فالمستفيد من نعمة الزمن هم القلة من خلق الله. وأكثر الناس مغبونون، تراهم يقتلون الأوقات، وينفقونها فيما لا نفع فيه، أو ما فيه ضرر في العاجل أو الآجل.
والمراد بالفراغ: خلو الإنسان من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة من الاشتغال بالأمور الأخروية، فذلك نعمة جُلّى ولا يدخل في ذلك السعي في طلب الرزق ما دام ذلك لا يعطل عن القيام بحق الله عز وجل.
والأصل في الغبن أن يكون في البيع والشراء والتجارة. وفي هذا الحديث - كما يقول العلامة المناوي - شَبَّهَ المكلف بالتاجر، والصحة والفراغ برأس المال؛ لكونهما من أسباب الأرباح؛ ومقدمات النجاح. فمن عامل الله بامتثال أوامره ربح؛ ومن عامل الشيطان باتباعه ضيع رأس ماله [4]
وقال ابن بطال: (معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون) [5] .
إن شكر نعمة الزمن أن يستفيد الإنسان من عمره، ويحذر من إضاعته في المجالس الخاوية، مجالس القيل والقال ومجالس اللهو والطرب، ويحذر أن يكون أمره فرطًا لا في أمر دينه، ولا في أمر دنياه، فتنقضي أيامه ولياليه في سهو وغفلة، وتنقلب نعمة الفراغ نقمة يشقى بها صاحبها رجلًا كان أو امرأة.
(يُتْبَعُ)