ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [16 - Aug-2010, مساء 04:10] ـ
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ..
يخطئ من يظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد وعى الحق كله حتى لم يفته منه شيء، ويُشبهه في الخطأ من يظن أن جلالة الشيخ ومكانته في الأمة وحظه من الإسلام يماثله حظ آخر أو تساويه مكانة أخرى؛غافلًا عن أن الشيخ وإن فاقه من يفوقه من السلف= إلا أن له في زمانه ومكانه وأثره في هداية الأمة بعده؛ ما يمنع التسوية والمماثلة ويجعله نسيجًا وحده بقطع النظر عن أبواب المفاضلات.
نعم. فلم يكن الشيخ -رحمه الله- من أفذاذ هذه الأمة فحسب،بل هو من أفذاذ الدنيا مذ ذرأها الله إلى أن يفنيها ومن عليها.
والحديث عن جوانب عظمة هذا الرجل حديث معجب آسر بقدر ما هو متباعد الأطراف كالقاموس الهادر لا ساحل له، وكالبحر أيضًا فمن أي جوانبه أتيته أصبته ولكنك أبدًا لا تحيط به.
وإنما أردتُ أن أقبض يدي على قطرة من أثر هذا الأشم،تمثل شعبة من شُعَبِ عظمة هذا الرجل وسمو نفسه، وعلو خلقه، ونصاعة مروءته.
لقد تصدى الشيخ لِما كان في عصره من بدع،وشركيات، وضلالات عن الهدي الأول الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، تصدى لها بلسانه وبنانه وأحيانًا بسنانه، وجَبَهَ الشيخُ بالحق وجوهَ مخالفيه وهم في زمانه جماهير علماء الأمة وفقهائها، فلم تأخذه في الله لومة لائم، ولا قعد به عن بيان الحق الذي معه سجن ولا إرهاب ولا تهديد،فكان أبدًا كمن وضع عنقه على كفه فليس يعبأ على أي جنب يكون في الله مصرعه.
وقد عودتنا طباع الناس التي قرأنا عنها والتي نعالجها في مجتمعاتنا = أن من وقف مواقف الشيخ مجابهًا أهل الباطل بالحق الذي معه= أنه يؤذى ويُضار،وأنه ربما أداه الأذى والضر الذي يصيبه مع إحساسه بأنه ناطق بالحق وقائم بالحجة لتبيين كلمة الله = ربما دفعه كل ذلك لتجانف البغي على مخالفيه واستحلال ما يرى أنه يجوز له أن يستحله بكلمة الله التي معه.
وتلك سنة سائرة في الناس اليوم حتى إنك لترى بعض المجاهدين بكلمة الحق جهاد السيف أو جهاد الحجة لا أقول يبغي على من يجاهدهم من الكفار أو المنافقين أو المبتدعة، بل ربما يكرُ راجعًا على بعض إخوانه من مجتهدي أهل السنة المخالفين له في تأصيل أو تفريع = خلافًا لا يمتنع وقوعه مع اتساع الأُقْضية، وكثرة الاجتهادات،وقلة العلماء،ومع ذلك يكر عليهم غافلًا عن معركته الأصلية ثانيًا عَطِفَ سيفِه ليجعل المعركة داخلية، ويشتد البأسُ بين الذين آمنوا من أهل الصف الواحد ..
وهنا تقف النفس إعجابًا وينحني القلم إكبارًا لتلك النفس التيمية القوية كيف تبصرت لتلك الشهوة الغضبية،وكيف فطنت لتلك الروح الحلولية التي تظن أن الحق المطلق قد حل في جسدها لمجرد قيامها ببعض شُعَبِه فتظن أنها والحق قد حلا في مسلاخ واحد فلا يتصور لهذا التجسد انفصامًا في الجسد أو الأحكام.
تنبه الشيخ لهذه الهوة المهلكة فبين خطرها وحذر من مغبتها، ولم يغفل في معركته الجهادية الكبرى عن أن للجهاد شرف وللمجاهد مروءة، ولم يذهل قلبه عن أن لإحقاق الحق آداب وأخلاق من أعلاها رحمة الخلق وإنصافهم والعدل مع المخالف منهم مهما بلغ خلافه،فلم يغفل وهو يُبطل أقوال مخالفيه عن أن ينصفَهم ويبرَهم ويتقي الله فيهم، وانتصب مدافعًا مرارًا،ودافعًا تكرارًا الظلم عن أقوام من أهل الضلال والبدع،واتسع فقهه لهذا المعنى الجليل الذي قوامه: أن إبطال الباطل وبيان ضلال المبطل لا يقتضي أن نبغي ونتعدى ونظلم هذا المبطل، واتسع فقهه لشعبة من الحق عطرة نضرة أن إنصاف المخالفين والعدل معهم ليس دفاعًا عن باطلهم، ولا مجادلة عن ظلمهم كما يتصور بعض ناقصي الفقه، وإنما هو من تمام عدل المجاهد بل هو من تمام شرف النفس ومروءة المسلم ..
ولنبحر معًا في تلك المعاني الجليلة التي سطرها الشيخ في بيان شعب الحق الشريفة هذه ..
1 -قال الشيخ: (( الرَّادُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مُجَاهِدٌ،وَالْمُجَاهِدُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا فِي سِيَاسَتِهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ فُجُورٌ ) ) [مجموع الفتاوى 4/ 13] .
(يُتْبَعُ)