فهرس الكتاب

الصفحة 13979 من 20085

ـ [أبو عبد الأكرم الجزائري] ــــــــ [28 - Jun-2009, مساء 06:00] ـ

«لقد دعونا نحن وغيرنا كثيرًا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام ممن يعظّمهم الجهّال؛ من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع ولمن جاء به؛ فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به.

فالله طليب قطّاع طريق الله وحسيبهم» (1) .

وقد أكّد ابن القيم - رحمه الله - مقالته السالفة في موطن آخر، فقال: «علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم؛ فكلما قالت أقوالهم للناس: (هلموا) ؛ قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًا لكانوا أول المستجيبين له. فهم في الصورة أدلّاء، وفي الحقيقة قُطّاع الطرق» (2) .

فابن القيم يتوجّع من حال هؤلاء المتبوعين أرباب الظلم والبدع والفجور والاحتيال، والذين يلصقون تلك الشناءات كلها بالشرع المطهّر، فأضحوا سببًا للصدّ عن سبيل الله تعالى، والنفرة عن دين الله عز وجل. كما ذم ابن القيم - في مقالته الأخرى - علماء السوء الذين يقولون بألسنتهم ما ينقضونه بأفعالهم.

-وقد أطنب ابن القيم في تحريم نكاح المحلِّل وذمّه وتغليظ جرمه كما في كتابه «إعلام الموقعين» ، ومن قبله شيخه ابن تيمية في «بيان الدليل على بطلان التحليل» ، وبيّنَا ما فيه من استحلال المحرمات، ومخادعة الله عز وجل، والتوثّب على محارم الله، تعالى. بل كان تجويز هذا «النكاح» مسبّةً على أهل الإسلام، وذريعة لشماتة الأعداء، وتزهيدًا في الإسلام.

يقول ابن تيمية - في بطلان نكاح التحليل وذمّه: «ولما رأى كثير من أهل الكتاب أن بعض المسلمين يقول: (إن المطلّقة تحرم حتى توطأ على هذا الوجه) ، وقد رأى أن معنى هذا معنى الزنا، وحَسِب أن هذا من الدين المأخوذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تجاهل بإظهار ذلك؛ أخذ يعيّر المسلمين بهذا، ويقول: (إن دينهم أن المطلقة تحرُم حتى تزني، فإذا زنت حلّت) ! وأخذ ينفِّر أهل دينه عن الإسلام بالتشنيع بهذا. ولم يعلم عدوُّ الله أن هذا لا أصل له في الدين، ولا هو مأخوذ عن السابقين ولا عن التابعين لهم بإحسان، بل قد حرّمه الله ورسوله، فإن دين الله أزكى وأطهر من أن يحرِّم فرجًا من الفروج حتى يستعار له تيس من التيوس، لا يُرغب في نكاحه ولا بقاؤه مع المرأة أصلًا، فينزو عليها، وتحلّ بذلك. فإن هذا بالسفاح أشبه منه بالنكاح، بل هو سفاح وزنا كما سمّاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... » (3) .

-وسرى وباء قطّاع الطريق فأصاب عامة المسلمين ما أصابهم من الانحراف والزيغ، إذ استحوذ على كثير منهم الضُّلال، واستحكمت عليهم الشبهات، حتى إن النصارى شغَّبوا على ابن تيمية في أكثر من مناظرة، محتجين بهذا الواقع المريج.

ومن ذلك: أن ابن تيمية لما ناظر ثلاثة من رهبان مصر وأقام عليهم الحجة، وأنهم ليسوا على دين إبراهيم ولا المسيح - عليهما السلام - عندئذٍ قالوا: نحن نعمل مثل ما تعملون؛ أنتم تقولون بالسيدة نفيسة، ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين من قبلكم، ونحن كذلك.

فقال لهم: «إنّ من فعل ذلك ففيه شبه منكم؛ فإن الدين الذي كان إبراهيم عليه أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك .. » إلخ. فلما سمع الرهبان ذلك منه؛ قالوا: الدين الذي ذكرتَه خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه (4) .

-وقَبلَ شيخ الإسلام، كَابَد ابن الجوزي هذا الداء، فكشف عن عُوار هذه الآفة في غير موطن. ويتجلى ذلك في ذمّه للمتصوفة وبيان حالهم، كما قال في إحدى خواطره: «فجاء أقوام فأظهروا التزهد، وابتكروا طريقة زيّنها لهم الهوى، ثم تطلّبوا لها الدليل. وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقًا ويطلب دليلَها، ثم انقسموا: فمنهم متصنع في الظاهر، يتناول في خلواته الشهوات، ويعكف على اللذات، ويُرى في الناس بزيِّه أنه متصوف متزهد، وما تزهّد إلا القميص، وإذا نظر إلى أفعاله فعنده كِبْرُ فرعون» (5) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت