ولا يخلِّف هذا التلوّن والنفاق إلا زهدًا في التدين وفرارًا من الاستقامة. ولذا؛ صار هؤلاء المتصوفة محلّ تندُّر عند الظَّلَمة المستبدين، فضلًا عن غيرهم. وهاك مثالًا سطّره ابن الجوزي في هذا الصدد، إذ يقول: «ولقد بلَغَنا أن بعض الصوفية دخل على بعض الأمراء الظلمة، فوعظه، فأعطاه ألف درهم، فقبِلها، فقال ذاك الظالم: كلنا صيّادون ولكن الشباك تختلف» (6) . وصدق الظالم!
وقد قيل لصوفي آخر: تبيع جُبّتك الصوف؟ قال: إذا باع الصيّاد شبكته؛ بأي شيء يصطاد؟! (7) فتماثلتْ مقالة الصوفي ومقولة الظالم، كما تشابهت قلوبهم.
-وقد تحدَّث الشيخ محمد الغزالي عن ذاك الداء الذي فتَكَ بنفر من المنتسبين للدعوة في هذا العصر، وسطّر عبارات لاذعة تليق بهذا الصنف، فقال: «ومن صِدْق الداعية مع ربّه - في أخذ نفسه ابتداء بكل إصلاح - أن يكون مدى ما يصيب من توفيق في عمله مع الناس.
ومن أعجب النقائض في دين الله ودنيا الناس، أن هناك نفرًا ممن يتسمَّوْن بالدعاة يحسبون أن ما يقولون لغيرهم من عِلْم إنما هو أمر يخص المخاطَبين فحسب! إنهم نَقَلة فحسب، إنهم «أشرطة مسجلة» تدور بعض الوقت ليستمع الناس إليها وهي تهرف بما لا تعرف. والدعاة الذين يَحْيَوْن على ذلك النحو المتناقض هم آفة الإيمان، وسَقام الحياة، ذلك أنهم تكذيب عملي للكلام الذي يلقون، والمبدأ الذي إليه ينتمون. أي أنهم عُذْر قائم بين يدي كل مقصر، وإياس من الصلاح أمام بغاته من السامعين والمطّلعين. وكثير من هؤلاء المنتسبين إلى الدين بألسنتهم، الخارجين عليه بأعمالهم؛ من يُلوِّن الدين برغبته، ويمزُج تعاليمه بشهوته، فهو - أولًا - يتعرف ما يشتهي، فإذا حدّده ألبسه ثوب الدين، وربما أقنع نفسه بأن شهوته هذه حق محض، ثم سعى إلى بلوغها، وكأنما هو يؤدي عبادة ولا يشبع نهمة!
إن الرجل القذِر البَدَن لا يغني عنه أن يحمل بين يديه قِطَع الصابون. ودعاة الدين الذين تهُبّ من سيرتهم سموم حارقة، إنما هم عار على الدين وصدٌّ عن سبيله.
والمراد من الدعاة المسلمين أن يتحسسوا أنفسهم، وأن يداووا ما قد يكون بها من عِلل، تلك العلل التي تشيع بين من لم يُرزقوا العصمة، والتي يستحيل أن نخلو منها يومًا .. » (8) .
إنّ أخْذَ الدين بقوة عِلمًا وعملًا، والقيام بدين الله - تعالى - كله؛ لَهو الغذاء والدواء تجاه هذه البلية، وقد ورد في الأثر: «إنه لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه» (9) ، كما أن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم كفيل برفع هذا الداء ودفعه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 12] ، إضافة إلى أن النظر في سير السلف الصالح (العالمين العاملين) باعث على سلوك سبيلهم ومدافعة تلك الآفة.
«قيل لعبد الواحد صاحب الحسن البصري: أي شيء بلغ الحسن فيكم إلى ما بلغ، وكان فيكم علماء وفقهاء؟ فقال: كان الحسن إذا أَمَر بشيء أعملَ الناس به، وإذا نهى عن شيء أتركَ الناس له» (10) .
«وكان يحضر حلقة الإمام أحمد بن حنبل خمسة آلاف، منهم خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حُسْن الأدب والسّمْت» (11) .
«وقال بعض تلاميذ عبد الوهاب الأنماطي عنه: استفدت من بكائه أكثر من روايته» (12) .
وما قد يقترفه بعض المنتسبين للعلم لا يعدّ مذهبًا لهم - فضلًا عن أن يُستدل به؛ فالعبرة باتباع نصوص الوحيين - إذ قد يكون فَعَلَه ناسيًا أو ذاهلًا أو متأولًا، أو ذنبًا يستغفر الله منه، كما بينه ابن القيم في إعلام الموقعين (13) .
{رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ} [الممتحنة: 5] .
(1) إغاثة اللهفان، لابن القيم 2/ 416.
(2) الفوائد، لابن القيم، ص 94.
(3) بيان الدليل على بطلان التحليل، ص 437، 438. باختصار.
(4) انظر: الجامع لسيرة ابن تيمية، ص 89، 90، ومجموع الفتاوى 1/ 370، 27/ 461.
(5) صيد الخاطر، ص 55.
(6) تلبيس إبليس، ص 207، والمنتظم لابن الجوزي، 14/ 12، 13.
(7) انظر: تلبيس إبليس، ص 222.
(8) كتاب «مع الله» ، ص 182 - 184، باختصار.
(9) قال ابن كثير في البداية 3/ 142: «أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة، والحاكم، والبيهقي» .
(10) أخبار الحسن البصري، لابن الجوزي، ص 28.
(11) سير أعلام النبلاء، 11/ 316.
(12) ذيل طبقات الحنابلة، 1/ 202.
ـ [عبد الرحمان المغربي] ــــــــ [28 - Jun-2009, مساء 10:17] ـ
أهل البدع ليسوا كلهم سواء فيما ذكر ... فبعضهم - بل كثير كثير منهم- فيه من صلاح السريرة ما نرجو لهم بها المغفرة من الله ...