ـ [ابن مفلح] ــــــــ [18 - May-2007, صباحًا 10:26] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
ففي عصر الفوضى العلمية نبتت نابتة لم تشم رائحة الفقه وادعت لنفسها الاجتهاد فإذا ما ضُيق عليها وبُين لها أن للاجتهاد شروطا وذُكرت لها شروطه قالت بملء فيها:
هذه الشروط لاتوجد عند أبي بكر وعمر وعثمان علي رضي الله عنهم، و ادعت أن كل أحد يمكنه فهم النصوص والاستنباط منها وأننا رجال وهم رجال وأن الرجوع للعلماء وفهمهم ضرب من ضروب اتخاذ الأولياء من دون الله،وقد قال أحدهم مرة حين دعوته إلى اتباع الأئمة والوقوف عند فهمهم قال:
"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء"!!!
ولايدري هؤلاء الأغرار أنهم بهذا العبث والهراء يطعنون في الصحابة بعد طعنهم في العلماء والأئمة.
ولاريب أن شبهتهم ساقطة ويكفي في إسقاطها قول الله جل ذكره"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون"،وقوله"ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم".
ومع أن هؤلاء كثيرون الآن ولهم منَظِّرون ودعاة يدعون إلى إفكهم باسم السلفية واتباع السنة وغيرها من الأسماء التي ليس تحتها حقائق عند هؤلاء فليس القصد من هذه المقالة مناقشة هذا الصنف من الناس مع أهمية مناقشتهم، وإنما القصد مناقشة صنف آخر عنده نوع فهم فإذا ما سلم لك أنه غير مجتهد ذهب يستدل على جرأته على الله ورسوله بكلام العلماء في أن الاجتهاد يتجزأ.
ومع أن المسألة خلافية بين أهل الأصول فمن قائل بجوازه ومن قائل بعدم الجواز ومن قائل بتجزؤه في باب لافي مسألة ومن قائل بالتجزؤ في الفرائض لافي غيرها،إلا أن من قال بالجواز لم يجعل هذا المنصب لكل أحد بل اعتبر شروطه هي هي شروط المجتهد ولذا فقد عللوا الجواز بأنه لايلزم من العلم بجميع المآخذ العلم بجميع الأحكام لأن بعض الأحكام قد يُجهل لتعارض الأدلة أو للعجز عن المبالغة في النظر لمانع ما.
فتأمل_حفظك الله_تعليلهم يتبين لك أن الكلام فيمن يعلم جميع المآخذ وليس فيمن لايحسن قراءة القرآن فضلا عن الاستنباط منه ولايعرف أدلة الفقه فضلا عن أن يستدل بها _وأعني بأدلة الفقه ماهو أعم من الكتاب والسنة_وغاية بعضهم أن يجمع الأقوال من هنا ومن هنا ثم يرجح بينها بطريقة خرقاء ظانا أن ترجيحه رافع للخلاف.
ومما يدل على أن من قال بتجزؤ الاجتهاد أراد مع توفر شروط الاجتهاد ما نقله العلامة الزركشي رحمه الله تعالى في البحر المحيط 6/ 210 عن أبي المعالي بن الزملكاني رحمه الله تعالى من قوله:
"فما كان من الشروط كليا كقوة الاستنباط ومعرفة مجاري الكلام وما يقبل من الأدلة وما يرد ونحوه فلابد من استجماعه بالنسبة إلى كل دليل ومدلول فلا تتجزأ تلك الأهلية."
وما كان خاصا بمسألة أو مسائل أو باب فإذا استجمعه الإنسان بالنسبة إلى ذلك الباب أو تلك المسألة أو المسائل مع الأهلية كان فرضه في ذلك الجزء الاجتهاد دون التقليد"."
ولأجل ملاحظة توفر شروط الاجتهاد في المجتهد اجتهادا جزئيا قال الشوكاني رحمه الله _وهو ممن يمنع تجزؤ الاجتهاد_ كما في إرشاد الفحول 2/ 1043 ط:الفضيلة:
"ويرد هذا الجواب بمنع حصول ما يحتاج إليه المجتهد في مسألة دون غيرها فإن من لايقتدر على الاجتهاد في بعض المسائل لايقتدر عليه في البعض الآخر وأكثرعلوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض ويأخذ بعضها بحجزة بعض ولاسيما ما كان من علومه مرجعه إلى ثبوت الملكة فإنها إذا تمت كان مقتدرا على الاجتهاد في جميع المسائل وإن احتاج بعضها إلى مزيد بحث، وإن نقصت لم يقتدر على ذلك في شئ ولايثق من نفسه لتقصيره ولايثق به الغير لذلك."
فإن ادعى بعض المقصرين بأنه قد اجتهد في مسألة دون مسألة فتلك الدعوى يتبين بطلانها بأن يبحث معه من هو مجتهد اجتهادا مطلقا فإنه يورد عليه من المسالك والمآخذ ما لايتعقله"."
فهل حصلت يا أخي شروط الاجتهاد حتى تتكلم في دين الله وتوقع عن رب العالمين ولو في باب أومسألة؟!!!
(يُتْبَعُ)