ـ [خباب الحمد] ــــــــ [04 - Nov-2007, مساء 11:48] ـ
حول حقيقة الالتزام ... شكلًا مضمونًا
خبَّاب بن مروان الحمد
بعض المستقيمين والملتزمين بالإسلام تحكمهم الرؤية الظاهريَّة مباشرة؛ فيرون الالتزام بالدين قاصرًا على بعض المظاهر الطيبة والجيدة، ويرون ـ وقد يكون ذلك شعورًا لا نطقًا ـ أنَّ الرجل إذا استكملها فقد استكمل الالتزام!
إنَّ ديننا الإسلامي وضَّح مفهوم الالتزام والاستقامة على الدين، حتَّى لا يكون الالتزام التزامًا أجوف، أو تدينًا مغشوشًا؛ فالالتزام مفهوم واسع وشامل، إنَّه لا يقصر الالتزام على مجرد إطلاق اللحية ـ وهو واجب ـ ولا يقصر الدين على تحريم إسبال الثياب وهو ـ محرَّم ـ.
نعم! إنَّ من الالتزام، إطلاق اللحية، وعدم إسبال الثياب للرجال، وتغطية جميع جسم المرأة؛ ووجهها من باب أولى ـ كما هو قول جمع من الفقهاء ـ، وترك الدخان بله تحريمه ... بيد أنَّ تعليق الالتزام والاستقامة على الدين بهذه المظاهر فقط وجعلها علامة فارقة بين الملتزمين وغيرهم هو الخطأ الجسيم!
لا ريب أنَّ هناك من يوافق على هذا الرأي، غير أنَّه في مجال التطبيق الواقعي تكون نظراته وأفكاره مختلفة عن قناعاته الفكريَّة، ممَّا يسبِّب تنافرًا بين الفكر والتطبيق، وفصامًا بين العلم وواقع العمل!
كم هم الذين اغترُّوا بمظهر شخص ما فأطلقوا عليه حكمًا عامًا بالالتزام، وحين تعاشره تجد أنَّ الالتزام كان التزمًا ظاهرًا، يحتاج لأن يرقِّي التزامه وينقله من التزام المظاهر والظواهر ـ وهو أمر محمود ـ إلى تعزيزه بالتزام الجوهر والضمير.
وعليه فمن الأهميَّة بمكان أن يكون مستوى تفكيرنا وحكمنا على الأشخاص والناس حكمًا دقيقًا لا حكمًا ظاهريًا، كما أنَّه من المهم أن نوسِّع دائرة الالتزام ولا نضيِّقها على بعض الهيئات التي لا أخالف في أنَّها واجبة؛ ولكنِّي أخالف في قصرها على الالتزام الظاهري فقط.
وهناك أمورٌ قد يتهاون بها الملتزمون، مع تعظيمهم لبعض الأخطاء والآثام الظاهرة التي قد لا تصل لدرجة الكبيرة. بيد أنَّ هناك تساهلًا في كبائر مجمع عليها كالغيبة، والكذب، والنميمة، وأكل حقوق الناس، والظلم للعمَّال ـ والتي قد يتهاون بها بعض الملتزمين ـ فهي كبائر فظيعة، وفواحش شنيعة، لم يخالف في توصيفها بأنَّها كبائرٌ أحد من العلماء.
لقد قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) والآية هنا تقضي بأهميَّة التخلق بخلق الإسلام، والابتعاد عن الإثم ظاهرًا وباطنًا، لأنَّنا قد نعتني بترك الإثم الظاهر لاطِّلاع الناس عليه ونقع فيما هو أشد منه من الإثم الباطن.
ولقد نبَّه رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على خطورة الانخداع بالمظاهر. فعن سهل بن سعد الساعدي ـ رضي الله عنه ـ قال:"مرَّ رجل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس؛ هذا والله حريٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفع؛ فسكت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ثم مر رجل آخر؛ فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين؛ هذا حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يُشفع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله؛ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا".رواه البخاري برقم: (6447) .
وبيَّن ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن الله ـ عز وجل ـ لا ينظر إلى الصور والأجسام، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (أخرجه مسلم) .
نعم! لا شك بأنَّ الحكم على الناس يكون بالظاهر والله يتولَّى السرائر كما نطق بذلك فقهاء الإسلام، ونصَّ عليه جمع من العلماء كابن تيمية والشاطبي والنووي وغيرهم. بل حكى الإمام ابن حجر الإجماع على ذلك فقال:"وكلُّهم أجمعوا على أنَّ أحكام الدنيا تجري على الظاهر والله يتولَّى السرائر"؟ (فتح الباري:12/ 273) .
(يُتْبَعُ)