فهرس الكتاب

الصفحة 3514 من 20085

ولكن .. هل المراد بقاعدة: (الحكم على الناس بالظاهر) أنَّ الإنسان يتولَّى الحكم من أوَّل نظرة؟! كلاَّ! فذلك لا يليق بأصحاب العقول الفطنة، ومن المعلوم أنَّه: ما كلُّ بيضاء شحمة، ولا كلُّ سوداء تمرة.

ولو كانت نظرتنا بهذا الشكل لكان الخوارج الضُّلاَّل أولى الناس بأن يكونوا من أهل التقى والزهد والصلاح؛ فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ عنهم:"تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم) رواه البخاري (6532 - 6534) . والأمر هنا واضح؛ بأنَّ النظرة السطحيَّة لا ينبغي أن يؤخذ بها مباشرة وعلى الإطلاق؛ فقد تستهوينا عبادة رجل، بيد أنَّه في مجال المعاملة مع إخوانه المسلمين قد يظلم، وقد يكذب ويغش، ويحلف اليمين الغموس!"

لقد اشتُهِرَ عن العبقري الصحابي الجليل عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ أنَّه حين جاء شاهد يشهد عنده فقال له عمر: ائتِ بمن يعرِّفك؛ فجاء برجل، فقال له: هل تزكِّيه؟ هل عرفته؟ قال: نعم، فقال عمر: وكيف عرفته؟ هل جاورته المجاورة التي تعرف بها مدخله ومخرجه؟ قال: لا؛ قال عمر: هل عاملته بالدينار والدرهم اللذين تعرف بهما أمانة الرجال؟ قال: لا؛ فقال: هل سافرت معه السفر الذي يكشف عن أخلاق الرجال؟ قال: لا، فقال عمر بن الخطَّاب: فعلَّك رأيته في المسجد راكعًا ساجدًا، فجئت تزكِّيه؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ فقال له عمر بن الخطاب: اذهب فأنت لا تعرفه، ويا رجل ائتني برجل يعرفك فهذا لا يعرفك! [1]

ومن هنا نعلم علم اليقين خطورة الحذر من التزكية الظاهرة والنظرة السطحيَّة العابرة، التي نزكِّي بها فلان وعلاَّن، من خلال نظرات عامَّة. وما الأخبار التي تأتينا أو نسمع بها من حالات الخصام الزوجي أو الطلاق من أناس كانت المرأة أو الرجل يحسب كلُّ أحد منهم الآخر أنَّه أو أنَّها من أهل الخير والبر والصلاح لمظهرهم الحسن؛ بيد أنَّها حين تعاملت معه، أو حين تعامل الرجل معها، انكشفت حقائق ما كان مستورًا، وبدت مكنونات قلبيهما تظهر وتبدو إلى أن حصل الشقاق والخلاف.

أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه، أنَّ رجلًا اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا وكان يُضحِك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جلده في الشراب؛ فأُتِيَ به يومًا فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا تلعنوه! فو الله ما علمت إلاَّ أنه يحب الله ورسوله). ـ أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ برقم: (6398) ـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ معلقًا على هذا"... فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب؛ لكونه يحب الله ورسوله، مع أنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعن في الخمر عشرة:"لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وآكل ثمنها"ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعيَّن، الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق. ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطًا بثبوت شروط، وانتفاء موانع) الفتاوى: (10/ 329_330) ."

كم من إنسان حين تراه تقول: الخير يقطر من لسانه وجانبيه؛ فإذا عاشرته وعاملته عرفت أنَّه ليس كما رأيت ـ وللأسف ـ! وصدق رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ حين قال عن زمن تختلف فيه مقاييس الناس في المدح والذم:"حتَّى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان) أخرجه البخاري برقم: (7086) ، ومسلم برقم: (143) ."

لقد كان علماؤنا ـ رحمهم الله ـ لا تخدعهم المظاهر كثيرًا؛ فقد تكون المظاهر مع رونقها خواءً، وقد قيل: لا يخدعنّك منظر الروضة الغنَّاء إذا كان بعدها جهنم الحمراء! ولقد كانوا يعرفون أنَّ الانطباع الأول غالبًا لا يكون صحيحًا، والصواب هو عدم الاستعجال في الحكم على الأشخاص، أو الإعجاب بهم لمجرد نظرة عابرة، وقد خاطب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ رسوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بقوله: (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت