فهرس الكتاب

الصفحة 3515 من 20085

[التوبة:55] .

بل حذَّر الله ـ عزَّ وجل ـ رسوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من الانبهار حين يرى المنافقين قائلًا له: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم) فحذَّره ـ سبحانه وتعالى ـ من الإعجاب بهؤلاء المنافقين وبأجسامهم وحلو كلامهم ومنطقهم.

إنَّ من المهم أن تكون لنا نظرة متَّزنة في الحكم على الأشخاص، والإعجاب بهم حين الرؤية الأولى المباشرة، بل لا بدَّ من عَرْكِ هؤلاء بالمعاملة، لتكوَّن الرؤية الصحيحة المنبعثة عن المعاشرة والمعاملة والمخالقة.

إنَّ من أعظم السلبيات ـ للأسف ـ التي نراها ظاهرة للعيان في بعض المجتمعات الملتزمة اهتمامَ كثير منهم بإصلاح الظاهر، وخصوصًا لمن يدخل للتو في سلك الالتزام، وينتظم في سلك الصالحين، مع أنَّ هذا الرجل بحاجة ماسَّة إلى إصلاح الباطن أولًا، مع أهميَّة إصلاح الظاهر ولا شك؛ ولكنَّ المنهج التربوي الصحيح يقضي بأهميَّة القيام بإصلاح القلب والباطن. ومن المؤكَّد حتمًا أنَّه في حال إصلاح القلب سينعكس ذلك إيجابيًا على ظاهر الشخص؛ فيتأكَّد إذًا أهميَّة الاهتمام بالجوهر قبل المظهر. ومن المهم أن نعلم أنَّ المعاصي الباطنة أشد وأكبر ضررًا من المعاصي الظاهرة؛ فمعاصي القلوب قد تكون أشدَّ ضررًا من معاصي الجوارح، مع أن القرآن دعا لإصلاحهما معًا، وترك ظاهر الإثم وباطنه؛ حيث قال: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) قال ابن الأنباري ـ رحمه الله ـ: المعنى: ذروا الإثم من جميع جهاته. وقال ابن كثير عند تفسيره لقوله ـ تعالى ـ: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) عن مجاهد قال: معصيته في السر والعلانية، وفي رواية عنه قال: هو ما ينوي مما هو عامل. وقال قتادة (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) أي: قليله وكثيره، سره وعلانيته).

وأخيرًا: فهذه قصَّة تعكس ما تقدَّم من موضوعنا، وتعطي ملمحًا مهمًَّا في النظرة إلى الأشخاص؛ فقد ذكر فضيلة الشيخ عبد الرحمن الدوسري ـ رحمه الله ـ، في محاضرة له تحت عنوان: (تصحيح الإيمان) وحين فرغ الشيخ من المحاضرة انبرى أحد السائلين معترضًا على الشيخ الدوسري في استشهاده بكلام سيد قطب، مع أنه حليق لا لحية له! فأجابه الشيخ الدوسري قائلًا له:"أنت تعالج الجرح والرأس مقطوع، فإذا كان سيد قطب ـ رحمه الله ـ بلا شعر في لحيته؛ فهو صاحب إحساس وشعور، وإيمان ويقين، وعزة وكرامة، وغيرة على الإسلام والمسلمين؛ قدَّم روحه فداءً لدينه، واستشهد في سبيل الله طلبًا لمرضاته، وطمعًا في جنته، وقال قولته المشهورة حين ساوموه ليرجع عن موقفه:"لماذا أسترحم؟ إن سُجِنتُ بحقٍ، فأنا أرضى حُكم الحق، وإن سُجِنتُ بباطل؛ فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل، إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفًا يقر فيه حكمَ طاغية"."

ثمَّ قال الشيخ الدوسري:هذا هو سيد قطب، فأين أصحاب الشَعْر بلا شعور من مواقف الرجال؟!"وصدق ـ رحمه الله ـ: فكم من إنسان ملتحٍ ليس له من خدمة الإسلام نصيب! وكم من إنسان يظهر بأنَّه غير ملتزم إلاَّ أنَّ له دورًا كبيرًا في خدمة دين الله ونصرته، ورفع رايته، فاللهم اجعلنا من الملتزمين بدينهم ظاهرًا وباطنًا، واستعملنا في طاعتك، ولا تردَّنا خائبين، ولا عن بابك محرومين آمين!"

[1] أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية، وقال ابن كثير: رواه البغوي بإسناد حسن، وذكر ابن حجر أنَّ هذا الأثر صحَّحه أبو علي بن السكن، بينما ضعَّف الأثر العقيلي في الضعفاء، وقد خرَّج الشيخ الألباني طريقًا لهذا الأثر في إرواء الغليل (8/ 260) ومال إلى تصحيحه.

نشر هذا المقال في موقع الألوكة على هذ الرابط:

ـ [مالك بن أنس] ــــــــ [05 - Nov-2007, صباحًا 02:16] ـ

وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ....

ـ [إمام الأندلس] ــــــــ [05 - Nov-2007, مساء 02:53] ـ

لا ريب أنَّ هناك من يوافق على هذا الرأي، غير أنَّه في مجال التطبيق الواقعي تكون نظراته وأفكاره مختلفة عن قناعاته الفكريَّة، ممَّا يسبِّب تنافرًا بين الفكر والتطبيق، وفصامًا بين العلم وواقع العمل!

كم هم الذين اغترُّوا بمظهر شخص ما فأطلقوا عليه حكمًا عامًا بالالتزام، وحين تعاشره تجد أنَّ الالتزام كان التزمًا ظاهرًا، يحتاج لأن يرقِّي التزامه وينقله من التزام المظاهر والظواهر ـ وهو أمر محمود ـ إلى تعزيزه بالتزام الجوهر والضمير.

وعليه فمن الأهميَّة بمكان أن يكون مستوى تفكيرنا وحكمنا على الأشخاص والناس حكمًا دقيقًا لا حكمًا ظاهريًا، كما أنَّه من المهم أن نوسِّع دائرة الالتزام ولا نضيِّقها على بعض الهيئات التي لا أخالف في أنَّها واجبة؛ ولكنِّي أخالف في قصرها على الالتزام الظاهري فقط.

وهناك أمورٌ قد يتهاون بها الملتزمون، مع تعظيمهم لبعض الأخطاء والآثام الظاهرة التي قد لا تصل لدرجة الكبيرة. بيد أنَّ هناك تساهلًا في كبائر مجمع عليها كالغيبة، والكذب، والنميمة، وأكل حقوق الناس، والظلم للعمَّال ـ والتي قد يتهاون بها بعض الملتزمين ـ فهي كبائر فظيعة، وفواحش شنيعة، لم يخالف في توصيفها بأنَّها كبائرٌ أحد من العلماء.

حتى أنك قد تجد الكثير ممن يحسبون على الصلاح إذا سئلوا عن شخص ما هل هو ملتزم؟ يقولون"نعم فهو ملتح ويقصر ثوبه"

فلا أهمية عندنا لأخلاقه وسلوكاته وتصرفاته ... بل قد يكون هذا الشخص مغتابا للناس بل للعلماء ولكن مظهره يشفع له بهذا التصرفات المشينة ...

بارك الله فيك أخانا الأحوذي"خباب الحمد"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت