ـ [عضو جدة] ــــــــ [23 - Sep-2009, مساء 05:02] ـ
راشد الغنوشي
"لم يتعرض مفهوم من مفاهيم الإسلام لسيل عارم متتابع من الإساءات إليه وإلى الإسلام والمسلمين من خلاله كما تعرض له مفهوم الجهاد، وقوعا بين"طرفي الإفراط والتفريط.
فهناك فئة تريد أن تلغي الجهاد من حياة الأمة وأن تشيع فيها روح الاستكانة والاستسلام بدعاوى مختلفة كالدعوة إلى التسامح والسلام"يصفهم مؤلف فقه الجهاد"بأنهم"عملاء للاستعمار الذي بلغت عداوته للجهاد إلى حد اصطناع فرق اختلقت لها إسلاما بلا جهاد وجعلت همها الدعوة إليه مثل البهائيين القاديانيين .. وفي مقابل هؤلاء فئة تجعل من فكرة الجهاد حربا ضروسا تشنها على العالم كله، فالأصل عندها في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب والأصل في الناس جميعا أنهم أعداء للمسلمين .. ما داموا غير مسلمين. (129) "
وقد يلتقي هؤلاء الأخيرون مع بعض المستشرقين المتحاملين الذين عرفوا الجهاد كما هو في دائرة المعارف بأنه"نشر الإسلام بالسيف، فرض كفاية على المسلمين كافة وكاد الجهاد أن يكون ركنا سادسا" (ماكدونالد، دائرة المعارف الإسلامية. الترجمة العربية(ص2778)
1 -تعريف الجهاد ومراتبه: ويتصدى المؤلف لهذا الغلو بطرفيه من خلال التحليل اللغوي لمادة الجهاد وتدور حول بذل الوسع، ومن خلال تتبع ورودها في القرآن والسنة ولدى فقهاء الإسلام، لينتهي إلى تفريق واضح بين الجهاد والقتال، فلقد ورد الأمر بالجهاد في القرآن المكي حيث لم يكن قتال بل مجرد جهاد دعوي بالقرآن"وجاهدهم به جهادا كبيرا" (الفرقان/52) كما ورد في القرآن والسنة وفقههما بمعان عدة تدور حول بذل الوسع في مجاهدة العدو ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس، وهو ما يجعل الجهاد أوسع من القتال، فالجهاد كما نقل المؤلف عن ابن تيمية يكون بالقلب والدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة على المبطل، والرأي والتدبير فيما فيه نفع للمسلمين، والجهاد بالبدن وهو القتال"."
ويستعين المؤلف بالعلامة ابن القيم تلميذ ابن تيمية في الشهادة لتوجهه وتجلية مجالات الجهاد الواسعة التي تجعل من كل مسلم بالضرورة مجاهدا وليس مقاتلا ولا بد. ولقد توصل ابن القيم من خلال متابعته لمسار الدعوة الإسلامية إلى ضبط 13 مرتبة من مراتب الجهاد
1 -جهاد النفس وفيه أربع مراتب: جهادها على تعلم الهدى، وجهادها على العمل به، وجهادها على الدعوة إليه، وجهادها على الصبر على ذلك.
2 -جهاد الشيطان، وهو مرتبتان جهاد ما يلقيه من شبهات قادحة في الإيمان وجهاد ما يدفع إليه من شهوات ومفاسد.
3 -جهاد الكفار والمنافقين وهو أربع مراتب بالقلب وباللسان والمال والنفس.
4 -جهاد الظلمة والفساق وهو ثلاث مراتب باليد إذا قدر فإذا عجز فباللسان فإذا عجز فبالقلب.
ويعتبر المؤلف أن الجهاد ضد الظلم والفساد في الداخل مقدّم على جهاد الكفر والعدوان الخارجي، إلا أنه يؤكد أن المواجهة السلمية هي الأصل في الوقوف في وجه الظالمين"مستفيدين مما طور الآخرون من صيغ معقولة في مواجهة سلاطين الجور مثل البرلمانات المنتخبة والأحزاب والفصل بين السلطات". (198)
كما يؤكد أهمية الجهاد الفكري والثقافي بإنشاء مراكز علمية إسلامية متخصصة تضم نوابغ الشباب المتفوقين في عقولهم وإيمانهم وإعدادهم فكريا وعلميا إعدادا يجمع بين تراثنا وبين ثقافة العصر .. لا ندعو إلى عزلة عن العالم بل إلى تفاعل ثقافي وحضاري، نأخذ منهم وندع وفق فلسفتنا ومعاييرنا كما أخذوا هم عنا قديما واقتبسوا وطوروا وبنوا عليها حضارتهم، ولكن ما نأخذ نضفي عليه من روحنا ومن شخصيتنا ومواريثنا الأخلاقية ما يجعله جزءا من منظومتنا الفكرية والقيمية الحضارية وتفقده جنسيته الأولى. (190 وما بعدها)
وبالعموم: يتوصل المؤلف من خلال استقرائه لفقه الجهاد في الإسلام إلى أن الجهاد نوعان: جهاد مدني وجهاد عسكري بمعنى قتال الأعداء إذا اعتدوا على المسلمين بالقوة، ما يقتضي الاستعداد لذلك عندما تتوفر دواعيه وهو نوع تعنى به الدول. وهناك الجهاد الروحي المدني ويشمل المجال العلمي أو الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي التربوي والمجال الصحي والطبي والمجال البيئي والمجال الحضاري.
(يُتْبَعُ)